البنيوية

 لوسيان جيرفانيون

 ترجمة محمد الخشين                                                                

 

إن أول ما تجدر الإشارة إليه في تعريف البنيوية، هو أنها ليست تماما نظرية فلسفية مثل الكنطية أو الفينومينولوجيا، أو مختلف الفلسفات الوجودية، حيث غالبا ما يكون فيلسوف ما زعيم اتجاه فلسفي معين وله أتباع، بل إن البنيوية تيار في الفكر المعاصر يحضر بالتأكيد عند بعض الفلاسفة، مثلا ميشيل فوكو في "الكلمات والأشياء"، وعند محللين نفسيين على غرار جاك لاكان في مؤلفه "كتابات"، كما يحظى بحضور في داخل النقد الأدبي المعاصر كما هو الحال مع رولان بارث في كتيبه "الدرجة الصفر للكتابة".غير أن هذا التيار له أصل علمي، إنه نتج مباشرة عن تجديد العلوم الإنسانية، وبالخصوص اللسانيات المعاصرة.كما أن الإنتشار الذي عرفه المنطق الرمزي ونظرية المجموعات قد وطدا الموقف البنيوي. ويمكن القول، بصفة عامة، أن البنيوية نزوع للفكر المعاصرإلى توضيح  أشكال الثقافة الإنسانية انطلاقا من مفهوم البنية كما طبقه المناطقة واللسانيون .وينبغي الإحتراس من الخلط بين هذا العلم المستقل الذي هو اللسانيات المعاصرة وبين البنيوية بمعناها الأكثر اتساعا وعمومية ، والتي هي الشكل الذي تتخذه العلموية في الفلسفة المعاصرة ( العلموية إسم يطلق على كل مذهب قرر الإكتفاء بالعلم من حيث قدرته على الذهاب إلى المسائل القصوى الدائرة حول المعارف البشرية ).

إن التعريف بالبنيوية ينبغي أن ينطلق من دراسة اللسانيات المعاصرة، فماهي البنية بالنسبة للسانيات ؟

إنها تنظيم لمجموعة من العناصر المترابطة بالنظر إلى وظيفة كل وظيفة ما، ويمكن توضيح هذا انطلاقا من أمثلة بسيطة : إذ أن تحليل بنية السيارة مثلا ليس هو تفتيتها إلى أجزاء صغيرة، وإنما هو تمييز عناصر المحرك وعناصر الهيكل بتحديد ما تقوم به من دور، لأن السيارة مصنوعة للسير ونقل الأشخاص، وهذه الوظيفة تحكم تنظيم عناصر الكل.وبنفس الشكل يتعين التذكير بأن اللغة وسيلة للتواصل، وهذه الوظيفة تحكم بنيتها.إن علم اللغة يقتيقترح نفسه للكشف عن العناصر التي تسمح للبنية بالإشتغال.

يتيح تحليل اللغة حسب أندري مارتيني إبراز الطابع المزدوج للنطق. فإذا انطلقنا مثلا من العبارة :" سيتكلم الأستاذ"، فإنه بالإمكان القيام بعزل الوحدات التالية : س يتكلم ال أستاذ، كل وحدة إلا وهي ذات دلالة، وتدعى هذه الوحدات الدالة مونيمات، والمونيم هو التمفصل الأول للغة ( أصغر وحدة لغوية دالة ).

لننتقل الآن إلى التمفصل الثاني للغة : إن المونيمات تحلل بدورها إلى وحدات متميزة تسمى فونيمات ،والفونيم هو : أصغر وحدة صوتية خالية من الدلالة، فهي وحدات دنيا تمثل أصوتا خاوية من المعاني.

وعليه ينبغي عدم الخلط بين المونيمات والكلمات كما ينبغي التمييز أيضا بين الفونيمات والحروف.هكذا نستطيع الآن ، انطلاقا من هذه التمييزات الأولية تحديد الفكرة البنيوية في اللسانيات.إنها مفهوم يعود إلى فرديناند دو سوسير: فكرة سوسير هي أن كل لغة عبارة عن نسق.ولم يكن هذا المفهوم مستعملا في اللسانيات إلا بصفة متأخرة، إثر انعقاد المؤتمر الدولي الأول للسانيات في لاهاي عام ألف وتسعمئة وثمانية وعشرين.فلنر ما يمكن أن يفرضه هذا المفهوم .

لقد كانت اللسانيات في القرن التاسع عشر تاريخية : ذلك أن دراسات النحو المقارن كانت تدعو إلى البحث عن قوانين تطور مختلف الألسن الهندوأوروبية. وسيحدث سوسير" ثورة كوبرنيكية " حقيقية داخل اللسانيات، فهو سيحل وجهة النظر السنكرونية ( السكونية ) في محل وجهة النظر الدياكرونية (التاريخية ). بمعنى أن دراسة العناصر المؤسسة لنظام لغوي ما ينبغي أن تجري انطلاقا من أخذ هذا النظام في لحظة زمنية معطاة .

لن يتعلق الأمر منذ هذه الثورة بتحصيل الأصول " إن اللسانيات السانكرونية تسعى إلى معرفة الروابط المنطقية التي تصل الحدود الكامنة في نسق معين والتي تكونه.

على هذا الأساس، يقضي مفهوم البنية بأن عناصر النظام أو النسق لايمكن أن تتحدد في معزل عن بعضها البعض، إنها غير ذات قيمة إلا  حينما ينظر إليها من خلال العلاقات التي تدخل فيها، والفروق والتعارضات القائمة بينها في داخل النظام. "إن اللسان نظام من العناصر المتضادة فيما بينها ، حيث تتحدد قيمة كل عنصر فقط انطلاقا من الحضور المتزمن للعناصر الأخرى.

يقول سوسير أيضا : "في أية لغة ليست هناك سوى الفروق".إذا اعتبرنا مثلا المونيمات الآتية :قومندان، كولونيل وجنرال، فإن نتبين بأن المعنى الذي يكتسيه كل مونيم من هذه المونيمات لا يتحدد إلا من خلال الفرق الذي يميزه عن باقي المونيمات الأخرى.وإذن فهذه ليس لها معنى إلا من خلال العلاقة التي تفرق بينها، بوصفها رتب متميزة.ضمن تراتبية الجيش.

إن الفونيمات بدورها لا يمكن أن تتحدد إلا بالفروق بين الأصوات التي نلحظها فيها.لقد أظهر تروبيتسكوي المؤسس الحقيقي للفونولوجيا كيف أن هذه الوحدات الصوتية الصغرى تشتغل كإشارات متمايزةلننصت مثلا إلى نطق الكلميتين التاليتين : سارق ومارق، إننا نميزهما معا لأننا نفرق بين الفونيمين سا والفونيم ما.

لقد ميز سوسير بعناية بين المدلول " وهو الفكرة التي نريد إيصالها إلى الآخرين" وبين الدال الذي هو " الشكل أو الكلمة التي بواسطتها نمثل تلك الفكرة". إن العلاقة بين الدال والمدلول غير طبيعية، أي اعتباطية ونتاج للمواضعة.

لقد كان بعض اللسانيين يحلمون ببنيوية خالصة، أكثر وضعية وموضوعية بتعريفهم للنسق اللساني خارج كل مرجعية تعود به إلى الفكر.يعتبر.بلومفيلد، أحد  اللسانيين، بأن  تحديد البنيوية في مصدرها ينبغي أن يكون من خلال البحث في تجلياتها المختلفة داخل بعض المجالات الثقافية ، وسنركز الحديث حول الأنثروبولوجيا على نحو خاص.

حاول ستراوس خلال عشرين سنة تحديد منهج الأنثروبولوجيا ونمط التفسير في العلوم الإنسانية  بكيفية كلية، وذلك في أعماله المشهورة حول "البنيات الأولية للقرابة" سنة ألف وأربعمئة وتسع وأربعين، "الفكر المتوحش" عام ألف وتسعمئة واثنين وستين، "أساطير الشعوب البدائية" ،"من النيء إلى المطبوخ" في ألف وأتسعمئة وأربع وستين ،و"من العسل إلى الرماد" في ألف وتسعمئة وثمان وستين. لقد رفض شتراوس كلا من النزعة التاريخية والنزعة الوظيفية لصالح التصور البنيوي.

يرتكز منهج ستراوس  على نقل نموذج التفسير العلمي الخاص باللسانيات البنوية إلى مجال الأنثروبولوجيا .فبالنسبة إليه، في نظام آخر للواقع، تكون ظواهر القرابة ظواهر لسانية.وقد أبرز ستراوس ، انطلاقا من دراسته لمختلف المجتمعات البدائية أن عناصر القرابة " الأب، الأم، الإبن ، البنت ، العم أبن العم ..."تنتظم في نسق منسجم إلى حد ما ، كما الحال بالنسبة لكل لغة، وهي ترتد إلى عشرات من المونيمات في علاقاتها وتعارضاتها التي تسمح للنسق بالإشتغال.

إن أحد هذه التعارضات الجوهرية هو ذلك الذي يتعلق بعلاقات القرابة الدموية أو العصبية وعلاقات المصاهرة.وهذا هو المعنى الحقيقي للحظر شبه الكوني لزواج المحارم.إن الزواج ينبغي أن يتم دائما من أسرة أخرى، وبالمثل فإن أية أسرة أخرى تتزوج بدورها من أسر مختلفة.وبالتالي فالزواج تبادل مثل اللغة .إنه وسلة للتواصل ، حيث تلعب النساء بشكل ما دور الكلمات .وقواعد التبادل هذا هي على العموم معقدة إلى درجة كبيرة.فعلى سبيل المثال : في العديد من المجتمعات البدائية التي تحظر الزواج بين أبناء العم، يكون الزواج من أبناء الخال أو الخالة مسموحا به ومدفوعا إليه.

يقول ستراوس "إن للزواج الخارجي وللغة نفس الوظيفة الجوهرية ، وهي التواصل مع الآخر".وإذن فنسق العلاقات الإجتماعية نسق من التعارضات والفروق التي يبدو أنها تستند إلى" منطق ثنائي"والإنتقال من الطبيعة إلى الثقافة يتحدد "باستعداد الإنسان للتفكير في العلاقات البيولوجية في شكل نسق من التعارضات : تعارض بين الرجال والنساء،تعارض قائم ضمن النساء بين الزوجات والأخوات والبنات .."

وهكذا فإن عددا من المجتمعات البدائية لا يعطي الحق للشاب في أن يتزوج من ابنة أخت أمه ،وبالمقابل تسمح له أن يتزوج بنت أخت أبيه.كما أن شابة ما لا يعطى لها الحق في الزواج بابن أخت أمها ، ولكن يسمح لها بالزواج من ابن أخ أمها.

ومثل فونيمات اللسان ،فإن عناصر القرابة لاتمتلك دلالة إلا بشرط اندماجها في نسق من الفروق والتعارضات،أبرزها التعارض بين شكلين من العلاقات،علاقات المصاهرة وعلاقات القرابة.ويمكن التأكيد في ها الصدد أن منع زواج المحارم لا يرجع إلى أسباب بيولوجية ،لكنه يخضع لدوافع اجتماعية. وبالفعل فإن درجات من القرابة متعادلة بالنسبة لوجهة النظر البيولوجية،تؤخذ على أنها متعارضة بالنسبة لوجهة النظر الإجتماعية. ويجب أن ندخل في عين اعتبارنا البنية المنطقية الموجودة تحت المؤسسات .إن حضور نظام منطقي داخل مؤسسات مجتمعات يقال عنها بدائية ،يجب أن يدفع إلى إعادة النظر في هذه التسمية.وتجدر الإشارة إلى أن هذا النظام المنطقي لا يوجد في البنية الاجتماعية إلا على نحو خفي.والنتيجة التي توصل إليها ستراوس هي أنه ليست هناك عقلية بدائية ماقبل منطقية ،فكل المؤسسات، كل الألسن تقوم على منطق بنيوي مشترك بين كل العقول الإنسانية.وهذه البنيات تتبلور من قبل التفكير اللاشعوري للناس.إن العلم يجد صعوبات بالغة في التعرف عليها.وهذه البنيات عبارة عن بنيات تحتية بالنسبة إلى ماركس وفرويد، وهما كانا قد مارسا تأثيرا على ستراوس في بداياته الأولى.ونحن نعلم أن التناقضات بين الطبقات (ماركس) والتناقض القائم بين الانفعالات الانسانية (فرويد) تختفي دائما وراء دوافع مزيفة .غير أن اللاشعور الذي يتحدث عنه ستراوس مختلف، حيث يتعلق الأمر ببلورة لأنظمة منطقية لاشعورية من قبل العقل الإنساني.

هل يمكن اعتبار هذه التأويلات علمية حقا كما هو الحال مثلا بالنسبة لقوانين الفونولوجيا ؟ إن اللسانيين أنفسهم، مثل أندري مارتيني يتحفظون من الأحكام التعميمية، وحينما درس ستراوس التعارض بين النيء والكطبوخ أو بين الكاسي والعاري ،كان قد دخل إلى مجال الاستعارة وليس إلى مجال العلم .

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الترجمات

*******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت