الرحلة الفلسفية الأولى لبول ريكور

 فردريك مارطيل

ترجمة محمد الخشين                                                                                              

 

 

بعد أن أقصي لمدة طويلة من الساحة الثقافية الفرنسية،تم اكتشاف بول ريكور من جديد كما وضع في المكانة اللائقة به. وتشهد سيرة فرانسوا دوس على مساره المثالي وأهمية عمله.

يوجد لغز يدعى ريكور.لماذا أبعد عمل أحد الفلاسفة الفرنسيين من دائرة الجدل و النقاش طيلة عشر سنوات أعقبت عام ألف وتسعمائة وستين علما أن هؤلاء طالما حظوا بنصيب وافر من التعليق في العالم كله ؟ كيف أبعد بحيث اكتفى بالظهور على الهامش فحسب ؟ لماذا أعيد تسليط الأضواء عليه إلى أن أصبح عند الثمانينات فقط موضوعا لإعادة الاكتشاف.

 هذا الموضوع أثارته مجلة " إسبري " كما طرحته ندوة سوريزي في غشت من  ألف وتسعمائة وثمانية وثمانين ، وفضلا عن ذلك فقد طرح أيضا في الأجزاء الثلاثة من "الزمن والسرد

لفهم هذا اللغز وهذا الاعتراف الذي لم يأت في وقته، جاءت محاولة مهمة من قبل أوليفيي مونجان لتساهم في إعطاء عمل ريكور نسقيته وتسلسله المنطقي عن طريق إعادة إعداد المفاهيم ومع كثير من محاولات اللف.كما أنجز أوليفيي أبيل في تعليق هام فلسفته السياسية والقانونية، في حين تظهر اليوم سيرة ريكور التي كتبها فرانسوا دوس الغنية في ما يقارب الثمانمائة صفحة وثمة عمل آخر من نفس النوع أعلن عنه في الولايات المتحدة شرع فيه شارل ريغان، وهي كلها إشارات ودلائل تسمح بتقدير "الحضور المعاصر  لريكور.

بعد خمسة وثمانين عاما تقدم حياة ريكور تمثيلا وتوضيحا لمسيرة مثالية عبر انعراجات ومنعطفات هذا القرن( ازداد ريكور عام ألف وتسعمائة وثلاثة عشر)، ويشهد عمله على اتساع الميادين التي شقها وعلى خصوبة فكره.

لقد أصبح ريكور يتيما في سن مبكرة بعد أن قتل أبوه في الجبهة سنة ألف وتسعمائة وخمسة عشر، وقد سكنته منذ هذه الحادثة تساؤلات ملحة حول إشكال الألم، الخطأ والعذاب. الشيء الذي خلق منه شابا ناضجا،اشتراكيا" سلميا "( بصفته عضوا في "سفييو"أي  القطاع الفرنسي للعمال الدولية، الذي سيصبح في ما بعد : الحزب الاشتراكي الفرنسي).عند عام ألف وتسعمائة وتسعة وثلاثين خاض الحرب ، وسجن بمختلف معسكرات الأسرى في بوميرانيا إلى اية ألف وتسعمائة وخمسة وأربعين: حيث كان يقرأ لكارل ياسبيرز ويعطي دروسا لزملائه المعتقلين، وحيث قام أيضا بترجمة كتاب لهوسرل (فيلسوف ألماني منعت إصداراته لكونه كان يهوديا)،باستعمال قلم رصاص وكان يكتب بخط صغير جدا على هامش الكتاب نظرا لندرة الوراق: وهذا نموذج نادر للصداقة مع لغة العدو من خلال لغة ضحيته.

بعد التحرير قام ريكور- الذي ساهم خلال هذه السنوات بفرنسا في التعريف بالفينومينولوجيا الألمانية صحبة إيمانويل لفيناس وموريس ميلوبونتي وجان بول سارتر- بربط الاتصال بمجلة "إيسبري" حيث نشط فيها "فريق الفلسفة" وكتب بانتظام عمودا خاصا معنونا ب:" في حدود الفلسفة"، وسيكون له لاحقا ارتباط بمجلة أخرى أسسها إيمانويل مونيي بشاتناي مالابري في منتصف الخمسينات،حيث أصبح ريكور على غرار كلود لوفور "رجل مجلة".لقد نشر عدة نصوص بمجلات دورية اتسمت غالبا بالبروتستانتية الاجتماعية ("المسيحية الاجتماعية"،"الأرض الجديدة"،"الإصلاح"،و"الأزمنة الحديثة").إنه أيضا "غول قراءة" حسب تعبير أوليفيي مونجان : إنه يقرأ ويعلق بصبر مدهش على كتابات حنة أراندت، إيريك فايل، كارل ياسبيرز، جان باطوكا ونفس الشيء بالنسبة لكلود لفي ستروس وميرسيا إيلياد، فضلا عن النصوص العظمى للأدب أو" الرمز الأكبر "الإنجيلي.

تعدد القراءات ،إضافة إلى الصعوبات الداخلية لعمله ، عاملان جعلا ريكور يتأثر بالانتقادات التي جعلت منه قارئا أكثر منه صاحب مفاهيم أصلية، أو بتلك التي أرادت تحديد عمله في نظرية لاهوتية مقنعة، كما لو أن الدين منفذ خفي لفكرة تؤكد استقلال الفلسفة عن الدين.

إذا كان ريكور في الخمسينات مهتما بالأساس بالفينومينولوجيا، فلقد انصب اهتمامه خلال الستينات على العلوم الإنسانية، خاصة التحليل النفسي لفرويد، مما ولد عددا من الخلافات مع أتباع لاكان وألتوسير.على هذا النحو كان أحد التفسيرات المتعلقة بالصدى المحدود نسبيا لعمل ريكور بفرنسا، في عصر سيطرت فيه السارترية، اللاكانية والبنيوية.

خلال السبعينات أصبحت انشغالات ريكور أنغلوساكسونية. فقد ظهر كمبشر بمساهمته في نشر الفلسفة الأمريكية بفرنسا. هكذا دخل في" حوارات" مميزة مع كتاب لم يعودوا كلاسيكيين بفرنسا إلا في الفترة الراهنة: فمقابلة جون راولز صاحب المؤلف الضخم :"نظرية العدالة" سنة ألف وتسعمائة وواحد وسبعين،أتاحت حوارا اتسم بنوع من الإهتمام وكذا بالتحفظ حول موضوع العدالة الإجتماعية.وبمرافقة شارل طايلور، الفيلسوف الكندي متعدد الثقافات ومؤلف الكتاب الشهير "ينابيع الأنا"ام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين، وهو في طور الترجمة (إلى الفرنسية)، وجد رغبته الحقيقية في جعل الثقافات تتحاور فيما بينها.وباعتماده على ريشارد  والزير،صاحب"ميادين العدالة" الذي يرجع إلى سنة ألف و تسعمائة وسبعين وترجم  نهاية عام ألف وتسعمائة تسعة وتسعين،نمى الجدل بين اللبرالية والنزعة الإجتماعية.هذه الحوارات الثلاثية أصبحت اليوم ذائعة الصيت.

رغم مرافقة قراء متعددين و تصورات وأفكار فلسفية متشددة، لم يفسح ريكور المجال لضرورة التزام سياسي، رغم أنه لا يتكلم عن الإلتزام بالمعنى السارتري،وإنما يسميه ب:"الفصل"،بوضع حياته الخاصة جانبا،وهو لم يرفض أبدا التحدث في الفضاء العمومي،بهذا يستطيع أن يعطي نموذجا: لقد استطاع وضع حدود مع الإيديولوجيات والفلسفات الجذرية ،دون أن يبتعد عن المعارضة،كما أنه تصدى للمؤسسات غير العادلة.مع التزامه بالسياسة وبمفهوم الدولة وكذا بالدفاع عن كل "سلوك معقول".

لما هبت الانتفاضة الهنغارية عام ألف وتسعمائة وستة وخمسين،حدث "القدرة غير المحدودة على الزعزعة" ،وكان القمع السوفييتي ،كان هناك سببان في كتابة ريكور لمقال هام حول:"المفارقة السياسية"(مجلة "إيسبري" ماي ألف وتسعمائة وسبعة وخمسين )وبانجرافه خلف أحداث الجزائر ووقوفه ضد سياسة الإضطهاد ، تم إيقافه ب "صو".كما كان متأثرا أيما تاثر بأزمة الجامعة،لذا قبل بالتدريس في "نانطير"عام ألف وتسعمائة وستة وستين، وحظي بلقب قيدوم سنة تسعة وستين تسعمائة وألف.

إذا كان ريكور قد استقبل بصدر رحب حركة ماي التي بدت له مناسبة مهمة لإصلاح الجامعة،فهو ترك "نانطير" بعد ذلك بعام واحد على إثر فضيحة ساهمت في جعله مشهورا ،بعد أن قام طلبة من أتباع ماو بقلب صندوق القمامة على رأسه.لكن شهرته كانت وراءها حركة مزدوجة تعارض استهتار النظام(الذي سمح لرجال الشرطة بالدخول إلى قلب الجامعة رغم معارضته)، وتقف ضد "التسييس" المفرط لرجال التعليم خلال سنوا "الغبار"التي تلت عام ثمانمائة وستين تسعمائة وألف.

رغم أن ريكور كان ملزما بالحذر شيئا فشيئا من متطلبات الحياة العامة،إلا أنه ظل نشيطا على صعيد عدة جبهات،وذلك لاهتمامه  بمواضيع دقيقة كالإيكولوجيا  على سبيل المثال وبفاعليته في بدايات معهد الدراسات العليا للعدالة وعدد من المجلات البروتستانتية. كما سار على رأس إحدى أولى المظاهرات التي وقفت ضد حرب البوسنة في الواحد والعشرين من عام ألف وتسعمئة واثنين وتسعين بباريس، ومؤخرا أيد الفلسفة العامة لمشروع إصلاح الضمان الإجتماعي بنوفمبر خمسة وتسعين تسعمائة وألف .لأن ريكور اختار أن يضع المسألة السياسية في قلب التناقضات التي يواجهها.في هذا المجال برز العطاء الملموس لريكور على مستويين يتمثلان في الفلسفة السياسية وفلسفة وفق تسلسل أقل تفاؤلا من ذلك الذي ابتدأ مع روسو : لا يتعلق الأمر بالرغبة فيما هو خير، بل بتجنب الشر وما هو أسوأ.الحقوق.والملاحظ أن محاولة أوليفيي أبيل ركزت على هذا الموضوع .لقد حلل ريكور بعمق الإشكال المزدوج لما هو سياسي :بالنسبة لما هو اخلاقي مثلما بالنسبة لماهو اقتصادي.لهذا فهو يرفض فكرة اختزال السياسي إلى ما هو اقتصادي فكرة "إرادة العيش سويا" التي يرى أنها قادرة على إيقاف السلطة التي تسير في اتجاه الكليانية ، كما انها تسجل حنة ، وهو ما كان الماركسيون يرفضونه.

يرى ريكور بأن "المشكل الأساسي للسياسة هو الحرية "،لهذا ، وبمقاربة أمريكية أراد رد الاعتبار للعبارة الجميلة التي هي:"اللبرالية السياسية" التي فقدت مصداقيتها بطريقة غير عادية بتقريبها من اللبرالية الاقتصادية.لقد اخذ عن أراندت فكرة "إرادة العيش سويا" التي يرى أنها قادرة على إيقاف السلطة التي تسير في اتجاه الكليانية ، كما انها تسجل وفق تسلسل أقل تفاؤلا من ذلك الذي ابتدأ مع روسو : لا يتعلق الأمر بالرغبة فيما هو خير، بل بتجنب الشر وما هو أسوأ.

إذا كان ريكور قد أبعد عن دائرة الجدل في فرنسا خلال الستينات والسبعينات فإننا نفهم اليوم عودة الإهتمام بإنتاجه في فترة ما بعد تسعة وثمانين تسعمائة وألف، وهي فترة اتسمت بالرجوع القوي إلى الفلسفة السياسية.و ضد الكليانية أكد ريكور على القيمة الأخلاقية الثلاثية: تقدير الذات،الإهتمام بالغير ومؤسسات عادلة.

يضاف إلى ذلك الصدى الكبير الذي تركته فلسفة ريكور الأخلاقية.على عكس أفكار وتصورات الشك، يفسح عمل ريكور المجال لإمكانية التفكير والتصرف ذاتيا،ولكي نقول ذلك بكلمات ريكور لابأس ان نستعمل العنوان الرائع الذي أعطاه لأحد مؤلفاته الهامة أن نفكر في الذات كآخر".

في العمق، غالبا ما سيكون هذا أحد مفاتيح الجاذبية القوية لعمل ريكور، لقد بقي بعيدا عن الجدل واستطاع أن يؤسس فلسفته على احترام الغير انطلاقا من قاعدته الشهيرة للإنعكاس :"لا تمارس سلطتك على الآخر بحيث تتركه بدون سلطة عليك".وبعد عشرات السنين من الحروب الفكرية العنيفة إيديولوجيا أصبح ريكور يميل إلى الإنصات وإعطاء كل حواسه للأشخاص الذين يخاطبهم ،فهو يولي أهمية كبرى للمتحدث،يحترم آراء هو ينصت أكثر مما يتكلم مبرزا مسارا فكريا سخيا ليس من السهل قيادته.

 

 

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الترجمات

*******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت