هردر مدافعا عن سبينوزا

ميريام بينينسطوك 

ترجمة محمد الخشين                                                                                              

 

 

كتاب "الله" ألفه الفيلسوف الألماني يوهان غوتفريد هردر[1]، وهو الذي برأ فيه الكاتب الفيلسوف سبينوزا من تهمة الالحاد.

    ويعد كتاب "الله" بوصفه الأول الذي أعطى صورة إيجابية عن سبينوزا للجمهور الألماني، ومن هنا أهميته في فهم الفلسفة السبينوزية. وطالما أشاد غوته Goethe بهذا المؤلف خصوصا عندما اعترف بأن المفهوم الذي طوره حول الله يوجد في أساس عمله الشخصي. وهو مفهوم يؤسس أيضا لـ" أفكار حول فلسفة تاريخ الانسانية " الذي كتبه هردر في نفس الحقبة.

  ويمكن القول بأنه لا يمكن فهم لغة، أسئلة وأجوبة هولديرلين، شيلنغ وهيغل بدون قراءة كتاب "الله "، كان هؤلاء يعرفون هردر حق المعرفة. وقد صدرت الطبعة الأولى منه سنة 1787، سنتين بعد نشر جاكوبي مؤلفه :"رسائل حول مذهب سبينوزا " ( شتنبر 1785)، وهذه الرسائل نفسها هي التي كانت قد أشاعت  بين العامة السجال حول دلالة مذهب سبينوزا الذي يسمى بـ "الحلولية"  Pantheismusstreit، " سجال حول الحلولية ".

يرد هردر على إصدار جاكوبي . ضد جاكوبي ، الذي اتهم سبينوزا والمتحمسين له بالالحاد، دافع عن سبينوزا : فهو يقول، لن نفهم شيئا في مذهب المسيح، مثلما في مذهب موسى، سوى أن نضفي على الله شكلا إنسانيا، وأن نلحق به صورا تجسيمية، ومقاصد خفية يجب على الناس أن يجهدوا أنفسهم من أجل تكهنها. ذلك أن العقيدة المسيحية الحقيقية هي بالأحرى عقيدة سبينوزا نفسه الذي يعلمنا أن الله ينكشف فينا في كل موضوع وفي كل نقطة للإبداع- لأنه يوجد في العالم، وفي الإنسان نفسه - فأن نتعلم معرفة قوانين الطبيعة- وقد قالها سبينوزا من جديد- هو أن نتعلم معرفة الله وأن نحبه، وبعيدا عن الاتجاه الى قدرية مدمرة لكل أخلاقية، تعتبر السبينوزية، في ماهيتها نفسها، ايتيقا مبنية على حب الله.

 كتاب "الله" لهردر، في تصوره هو نفسه، من بدايته الى نهايته، دفاع وتبرير للمذهب السبينوزي. فهو يشكل، في التاريخ الطويل والمشوق لتلقي السبينوزية، علامة دالة. يقينا نشر الكتاب بعد "رسائل حول مذهب سبينوزا لصاحبه جاكوبي، وهي الرسائل التي أشاعت بين الجمهور"السجال حول الحلولية". لكن صورة سبينوزا، المعطاة من قبل جاكوبي كانت  بأكملها  عبارة عن رد فعل: إذا كان جاكوبي قد نشر الرسائل، فذلك لأنه يريد أن يحبط الإعجاب المتعاظم بسبينوزا، المعبر عنه من طرف معاصريه. ومن بين الشواهد الأكثر دلالة على هذا الإعجاب، ما نجده في عمل هردر، وبالخصوص في كتاب "الله". ومن بين الشواهد الأكثر دلالة على هذا الاعجاب، ما نجده في عمل هردر، وبالخصوص في كتاب "الله". يحتوي  هذا الكتاب على أول صورة مفصلة إيجابية عن سبينوزا – عن الانسان، وفلسفته – المعطاة الى الجمهور الألماني. بهذا المعنى فهي أكثر كشفا من رسائل جاكوبي في عودتها المدهشة في الرأي لصالح سبينوزا من بين سائر نظيراتها المنتجة خلال هذه الحقبة، والتي طبعت ليس فقط تطور الحياة الفكرية الألمانية خلال الربع الأول من القرن التاسع عشر، بل أيضا التطور الفكري في بلدان أوروبية أخرى، وعلى الخصوص في فرنسا.

ثمة أسماء مجيدة يمكن إثارتها هنا، في الشهادة على هذه الأهمية. لن نذكر في هذا المقام سوى واحدا، الأكبر ربما، لكن الأكثر دلالة بالنسبة لموضوعنا: هو يوهان وولفغانغ غوته، هذا الشاعر الكبير والعالم،الذي غير تفكير جيله. وبالفعل، فقد كان غوته الصديق والمتعاون القريب من هردر، وذلك على الخصوص في مرحلة تحرير كتاب "الله".عندما توصل  به  في إيطاليا، حيث أقام حينذاك، تصرف غوته بحماسة حينما قال: "الكتاب الصغير لهردر ممتلئ بالأفكار الإلهية الجليلة"، فور تلقيه للنص.

بدون شك كان غوته يفكر هنا  أولا في طريقة جديدة للتفكير في الدين وعيشه، في شكل جديد للتدين بدأت ينتشر، والذي  كان كما نعلم، موجها نحو فئات شعبية عريضة: ذا  قانون أحادي، إذ كان يرتكز على عقيدة الطبيعة، وكان يتطلع الى التوفيق بين الإيمان بالله والعلم. وقد لعب هردر في شيوع هذا التدين دورا لا يمكن تجاهله.

لكن غوته يوجه بصفة يقينية أيضا إشارة الى ممارسة علمية جديدة - وهي نفسها التي بلورها وطورها وقتذاك بمدينة واينمار، بمعية هردر .فحقبة تحرير كتاب "الله" من قبل هردر بالفعل وبالتدقيق المرحلة التي كان فيها هذا الأخير يشتغل: "أفكار حول فلسفة تاريخ الإنسانية". هذه "الأفكار"، أي، بالتدقيق، الموقف إزاء العلم والمناهج العلمية المطورة في "الأفكار"، تجد أصلها الفلسفي في "الله". ويعترف غوته  نفسه في روما مباشرة بأن، لولا مفهوم الله الذي طوره هردر على مستوى عمله حول سبينوزا، لما استطاع كتابة 'الأفكار"،   وبصفة خاصة، الجزء الثالث من هذا الكتاب، ويقر بأنه هو نفسه يجد مبدأه الخاص في عمل هردر: فهو المبدأ ذاته "الذي يشكل سببا ووسيلة لعملي" على حد قوله.

هذا المبدأ، وهذه المفاهيم تستحق الشرح. لأنها هي التي تسعف كأصل للمباحث الجديدة، التي نرى بأنها تتطور في ألمانيا (الفلسفة الطبيعية)، والتي عرفت تناميا ملفتا بين الفلاسفة والعلماء، فضلا عن فلسفة التاريخ، موضوع التفكير المفضل لدى هردر في الجزء الثالث من كتابه: "الأفكار"، التي نعرف تطورها الملحوظ طيلة القرن التاسع عشر.

لقد شكل عمل هردر موضوع نقد شديد خاصة من طرف الفلاسفة: فكانط على سبيل المثال قام بنقد هدام  ل "الأفكار"، كما أن هيغل عبر عن نقده ليس فقط لهذا الكتاب، بل أيضا لكتاب "الله". لكن هذه الانتقادات نفسها تشهد على الدور الكبير الذي لعبه هردر في تحول الأفكار، بل في طريقة التفكير، على امتداد القرن بأكمله في ألمانيا. ذلك أن كنط أدرك شعبية ذلك الذي كان تلميذه القديم، فقرر أن يرد عليه علانية. بينما يستطيع هيغل أن ينتقد جيدا كتاب"الله". لكنه، دون شك، قرأه منذ مرحلة دراسته بطوبنغن، مع شيلنغ ومع هولدرلين، ومثل هؤلاء، فقد غرف منه. إذا كان شلنغ ، منذ سنة 1795 ، قد أعلن نفسه "سبينوزيا"، اذا كان قد كتب مؤلفه "أفكار حول فلسفة للطبيعة" عام 1797 ، فذلك لأنه أراد أن يستعيد لحسابه الخاص الأفق الفلسفي المدافع عنه من قبل هردر في كتابه "الأفكار" لكن أيضا بدون شك، وبصفة أدق في كتاب "الله"، ولا يمكننا أن نفهم وأن نثمن القيمة الحقيقية للدور الذي قام به هولدرلين في تكوين فكر هيغل طالما نظرنا بتجاهل إلى ذلك الذي استلهم منه هولدرلين نفسه، أي ذلك الذي لعبه هردر.

يستطيع اللاهوتيون الشباب لطوبنغن انتقاد هردر، واتهامه بكونه فهم سبينوزا بشكل خاطئ، وهردر بالفعل، كما سنرى أيضا، لم يكن قارئا وفيا لسبينوزا. غير أن مقاربة كهذه ستكون عقيمة جدا مثلها مثل تلك التي تتطلع إلى الكشف عن "أخطاء" هردر في تأويله لسبينوزا. ألم يعلن هردر نفسه، ابتداء من مقدمة كتابه، عن قصده في أن يستعمل سبينوزا ليس للتقديس أو للعبادة أو مبتهلا ؟ يستخدم خصوم هردر، الذين ينتقدونه، سبينوزا بشكل حر، مثلهم في ذلك مثل هردر نفسه. لقد أصبح استحضار اسم سبينوزا  طقسا  ضروريا لابد من المرور منه في هذه المرحلة، من قبل جميع الفلاسفة. وإذا أردنا أن نفهم التحول، الملفت للانتباه في تاريخ الأفكار، الذي كان يجري في ألمانيا ، لا ينبغي التوقف فقط عند الصلة الموجودة بين مؤلف هردر حول "الله" وكتاب " الاتيقا" لاسبينوزا . بل يجب أيضا، على الخصوص، تحديد أسباب ودلالة هذا الطقس. في تقديمنا، سوف نسعى إذن أولا الى إعادة بناء الشكل الذي من خلاله  يتم تقدير سبينوزا ، في هذه الحقبة. سنحاول إعادة موضعة هردر في هذا الاطار، وأن نظهر، في طريقه الخاص، كيف أتى الى سبينوزا. على هذا النحو، وهكذا فقط، سيكون ممكنا فهم الدلالة الخاصة لاصدار جاكوبي. وحينما انتقد شيلنغ، هيغل وآخرون بعدهما هردر، بقي هؤلاء عميانا حيال ما استعاروه منه، من: أفكار، مفاهيم، وفي الغالب المنظور الأساس نفسه الذي ظل، طويلا، هو منظور هردر.

يصوغ فيلولاوس، أحد شخوص المحاورة حول الله، الموقف العام من سبينوزا كما يلي:" لا، لم أقرأه، من يمكنه أن يريد قراءة الكتب الغامضة التي يكتبها المعتوهون؟ لكنني سمعت من أفواه عدد لا بأس به من الناس الذي قرأوه بأنه ملحد وحلولي، رسول للضرورة العمياء، عدو للوحي، حول الدين إلى سخرية، مخرب، بهذا المعنى، للدولة والمجتمع المدني، باختصار عدو للجنس البشري، وقد مات على هذا النحو. إنه يستحق اذن الكراهية ونفور كل أصدقاء الانسانية ، وأيضا كراهية الفلاسفة الحقيقيين". هكذا كان الرأي المهيمن حول سبينوزا، قبل ظهور كتاب هردر: لم يكن هناك  أحد يقرأ سبينوزا، لكن اسمه كان معروفا، ذكراه كانت حاضرة ومنتقدة : فعن طريق الانتقادات والتكذيب بقي حاضرا.

كيف إذن، في الأخير، أمكنت قراءة سبينوزا ؟ ولوج مؤلفاته صعب جدا : مؤكد أن " رسالة في اللاهوت والسياسة" كان قدر نشر منذ عام 1670. كما أنه أعيد طبعه تحت عناوين وهمية، وبصفة مجهولة، مرات عديدة. وإذا كانت هناك ترجمة فرنسية ، متداولة منذ سنة 1668، فالترجمة الألمانية لم تظهر إلا في عام 1787، أي في سنة ظهور كتاب "الله" نفسها. لكن مؤلفه "الاتيقا" كان صعب الولوج أكثر: فبصرف النظر عن المخطوطات، التي غالبا ما كانت جزئية، والتي كانت تروج عادة تحت المعطف، وقد كان يوجد منها الكثير- والتي لم تكن متوفرة سوى في مؤلف سبينوزا المعنون ب"أوبرا بوستوما"Opera posthuma  ، الطبعة الأصلية، فان هذه الوضعية ستدوم الى غاية صدور ترجمة ل "الايتيقا" سنة 1744 من قبل يوهان لورينز شميث. هذه الترجمة نفسها، لكي تتمكن من الظهور، تم تقديمها ليس بوصفها كذلك، بل باعتبارها دحضا ل "الاتيقا" ، من طرف كريستيان وولف .

هكذا كانت الوضعية العامة: قلما كان سبينوزا نفسه يقرأ، لكن الحديث عنه جار بكثرة، خصوصا من طرف أولئك الذين ينتقدونه ويرفضونه. يثبت هردر في كتاب "الله"، من جديد على لسان فيلولاوس، بأن بايل الذي ثبت، بالنسبة لمعظم الناس، صورة سبينوزا، وقد كان هردر محقا(ص 47) :ذلك أن "القاموس التاريخي والنقدي" لبيير بايل (1696-1697)، المعاد طبعه عدة مرات بالفرنسية، كان قد ترجم الى الألمانية، وكان قد لقي نجاحا كبيرا: فبايل ، يقينا، هو الذي نشر الفكرة التي بحسبها يعتبر سبينوزا" ملحدا نظاميا"...ويعد بايل أحد المصادر الرئيسية لمعرفة سبينوزا، بالنسبة لهردر نفسه. حينما أضاف هردر في كتاب "الله"، وهذه المرة على لسان ثيوفرون، بأنه إذا "كان بايل بالنسبة لمعظم قطيع قراء سبينوزا هو الذي ثبت الفكرة عن سبينوزا، فالفلاسفة والثيولوجيون، المختلفون مع بعضهم البعض"، هم من قاموا بذلك بصفة أساسية بالنسبة للسواد الأعظم من الناس، ويحكي هردر هنا أيضا، قصته الشخصية:   فهو نفسه قرأ، فضلا عن بايل ، مؤلفين مثل كريستيان كورتهولد ، أستاذ الثيولوجيا بكييالKiel   الذي نشر منذ عام  1680رسالة حول" الدجالين" الثلاثة هربرت كيربوري، هوبز وسبينوزا، والذي كان قد وصف سبينوزا باعتباره ملحدا. المفارقة ، هي أن التعاطي إلى سبينوزا في هذه الحقبة يقوم على كون المؤلفين أنفسهم الذين جاؤوا متأخرين وأعجبوا بسيبينوزا تعلموا معرفته عن طريق نقاده.

هكذا، كما الحال بالنسبة لمعاصريه الآخرين، قرأ هردر ما أثبته لايبنيز عن سبينوزا: هنا يوجد مصدر آخر غير مباشر لمعارفه حول هذا المؤلف، ربما الأكثر أهمية، على الخصوص لأنه كان متيقنا بأن، على عكس أغلبية مجايليه كان لايبنيز قد عرف سبينوزا بتقدير كبير. ذلك أن التأثير الذي مارسه لايبنيز على تصور هردر بخصوص سبينوزا كان كبيرا جدا، إلى حد يصعب معه في معظم الأحيان، التمييز بين ما هو، لدى هردر، مصدره هو سبينوزا أم مرجعه هو لايبنيز، الى درجة أن البعض وصلوا الى غاية إنكار أي تأثير تكويني حقيقي حصله هردر  أو غوته أيضا من سبينوزا، لإرجاع هذا الدور الجوهري إلى لايبنيز. بالفعل، أولا وقبل كل شيء، وبدون أدنى شك، من لايبنيز استلهم هردر الاستعمال الذي يقوم به لأحد المفاهيم الأكثر أساسية في نسقه: مفهوم "القوة". على هذا النحو يؤكد هردر، في كتاب "الله"، على أن"فرضية" الجواهر (المونادات)، التي تتحدد ب"قوى"، هي أكبر مساهمة للايبنيز في الميتافيزيقا: إنه هذا المفهوم،"المفهوم الوسيط بين الروح والمادة"، الذي، بحسبه، يمنح النسق السبينوزي الوحدة التي تنقصه أيضا، وحدة لم يعرف سبينوزا، المتورط في اصطلاحات ديكارتية قاصرة، أن يتوصل إليه. هناك من بين التأثيرات الأخرى، دون شك، بصفة خاصة، ذلك الذي يعود الى الفلكي والرياضي يوهان هنريش لامبير، وهو يترابط مع تأثير لايبنيز في بلورة هردر لتصور كهذا، الذي لم يتعرف لايبنيز نفسه عليه. لأن لايبنيز اعتبرمفهوم "القوة" كمفهوم ميتافيزيقي محض، بينما هردر، الذي اتبع لامبير، تصور مفهوم "القوة" في نفس الوقت كمفهوم ميتافيزيقي وفيزيائي:لقدوجد فيه هردر تمظهرات في عدد لابأس به من الظواهر الفيزيائية، كما هو الحال مثلا في المغناطيس و في الكهرباء.ومن المهم أن نسجل ،بخصوص الطبعة الثانية من كتاب "الله"، بأن مفهوم "القوى الجوهرية" قد تم تعويضه بموضوعة  "القوى العضوية" نوهذا التعديل يجب ان نرى فيه أولا رد فعل إزاء نقد "الأفكار" الذي قام به كنط، لكنه يشير بكل وضوح أيضا ،إن كان الأمر يحتاج إلى ذلك ،بأن "القوة" بالنسبة لهردر موضوعة فيزيائية بقدر ما هي ميتافيزيقية. لقدوجد فيه هردر تمظهرات في عدد لابأس به من الظواهر الفيزيائية، كما هو الحال مثلا في المغناطيس و في الكهرباء.ومن المهم أن نسجل ،بخصوص الطبعة الثانية من كتاب "الله"، بأن مفهوم "القوى الجوهرية" قد تم تعويضه بموضوعة  "القوى العضوية" نوهذا التعديل يجب ان نرى فيه أولا رد فعل إزاء نقد "الأفكار" الذي قام به كنط، لكنه يشير بكل وضوح أيضا ،إن كان الأمر يحتاج إلى ذلك ،بأن "القوة" بالنسبة لهردر موضوعة فيزيائية بقدر ما هي ميتافيزيقية. إن قضيتنا ، هنا، ليست هي أن نحدد ما إذا كان وإلى أي حد يعد هذا التاويل ، الذي يجعل من سبينوزا عالما، مشدودا إلى المعرفة الإمبريقية حول الطبيعة ، والذي تتحول فيه الموضوعة السبينوزية حول الجوهر إلى مفهوم فاعل ودينامي ،وفيا لتصور سبينوزا نفسه.لكن من المهم أن نسطر بدءا من هذه النقطة بأن هذه الصورة حول السبينوزية هي التي مارست تأثيرا مهما،فلسفيا وعلميا، على الأجيال اللاحقة. بهذا المعنى لانستطيع أن نبالغ في تقدير أهميتها.

يجب أن نحتفظ في الذهن أيضا بأن لايبنيز نفسه فهم جيدا كيف يستبعد كل ربط بين فلسفته الخاصة وفلسفة هردر  التي استعملها من أجل التشكيك في ديكارت، والتي اعتبرها خطيرة على العقيدة المسيحية : ذلك أن الأطروحة السبينوزية حول الجوهر ، نفيها  لوجود الإرادة والفكر  عند الله، وإثباتها أن الله يتصرف  ضرورة، كل هذا سيكون متناقضا مع الإله المسيحي وسيحطم كل أخلاقية مؤسسة على حرية الإرادة. حول هذه النقطة بكيفية أساسية هاجم لايبنيز سبينوزا في كتاب "الثيوديسا"  1710 ، وهو كتاب كان مقروءا بكثرة في القرن الثامن عشر .ضد سبينوزا ،أثبت لايبنيز بأن الإرادة والفكر يشكلان جزءا من الماهية الإلاهية، وعلى هذا النحو يختار الله الأفضل بحسب ما هو ملائم: كان بمقدوره أن يختار بشكل آخر، إنه ليس مجبرا من قبل ضرورة ميتافيزيقية ما ، إنما فقط بضرورة أخلاقية، على اختيار الأفضل. من هذا التمييز الأساسي بين شكلين للضرورة، انطلق هردر، وبه اعتقد لايبنيز نفسه محميا من أي اتهامات بالسبينوزية .

كان تأثير لايبنيز في تلك الحقبة كبيرا ، مباشرة وبعد ذلك من خلال وساطة كريستيان وولف: إنه يعود إلى نقضه لسبينوزا في الجزء الثاني من مؤلفه "الثيولوجيا الطبيعية" الصادر سنة 1737، وكانت طبعته الثانية في سنة 1739 وترجم إلى الألمانية عام 1744 من قبل يوهان لورنز شميدت ، كما نشر في ملحق للترجمة التي أنجزها هذا الأخير لكتاب" الإتيقا ": لقد تعلم معاصرو هردر إذن فلسفة سبينوزا من خلال هذا الكتاب الذي نعرف بسهولة مدى أهميته.يجب ان نشير إلى أن وولف كان أقد جدلا من لايبنيز، إذ وضع النقط على الحروف بكيفية خاصة حول التمييز الطبيعة الطابعة و الطبيعة المطبوعة natura naturans et natura naturata ،وحول عدم خلط سبينوزا بين الله والطبيعة، لكنه اتهم هو أيضا سبينوزا بتعليم القدرية التي تهدم الدين والأخلاقية.ونحن نعلم أن سبينوزا نفسه نفى هذه الأطروحات ، ونعرف حول هذه النقطة بأن وولف ، مثل لايبنيز ، كلاهما أوله بطريقته ، بدون شك ، وبصورة أساسية، بحسب أسباب اجتماعية ودي


 

2  فيلولوجي ألماني، ناقد للفن و  الأدب ، و شاعر ترجع أصوله إلى أسرة ورعة من بروسيا الشرقية، درس الفلسفة و الثيولوجيا  بكونيغسبيرغ ، حيث تابع في سنة 1762 محاضرات كانط ، التي عكست أعمال هذا الأخير ما قبل النقدية "التاريخ الكوني للطبيعة  و نظرية السماء"  ، لكن أيضا "الأساس الفريد الممكن للبرهان على وجود الله" ، و كانت قد أثرت فيه لمدة طويلة. كما كان مأخوذا بشخصية الثيولوجي هامان J . G . Hamann (1730 – 1788) الذي علمه حسن تقدير شكسبير و اللسان الإنجليزي ، و أيضا أوسيان  و الشعر القديم الهنغاري و السكوتلاندي: منذ هذه الحقبة، بدأ هردر باقتطاف النماذج من الشعر الشعبي الذي اهتم به طيلة حياته، من أجل ترجمته و نشره. إنه هامان أيضا الذي أوكل لهردر مكانته في الرهبانية لأول مرة، كمبشر و معلم في مدرسة بالميناء الروسي ريغا Riga  سنة 1764 . و بهذه المدينة، حرر هردر أولى أعماله الهامة: "شذرات حول الأدب الألماني الجديد" Fragments sur la nouvelle littérature allemande  (1766 – 1767) و "غابات نقدية" (1769)، انظر مقالنا بعنوان " من هو هردر " ضمن دراسة مقارنة بين كانط وهردر ، منشور بموقع www.tafalsouf.com

 

 

 

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الترجمات

*******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت