المحاضرة الأولى حول التحليل النفسي .سيغموند فرويد

ترجمة محمد الخشين                                                                                              

 

 

الهستيريون يعانون من التذكرات المؤلمة.العلاج التطهيري .هستيريا التحول. أصل التحليل النفسي .ملاحظة الدكتور براوير.الصدمات النفسية

ليس إلي يرجع الفضل- إذا كان يعود إلى شخص واحد- في وضع التحليل النفسي أمام أنظار  العالم. إنني لم أشارك في بداياته الأولى. كنت لا أزال طالبا ، منشغلا بتحضير الإمتحانات الأخيرة ، حينما طبق طبيب من النمسا ، هو الدكتور براوير، لأول مرة هذه العملية في علاج فتاة هستيرية صغيرة ، يرتد ذلك إلى سنوات1880-  1882.من المناسب إذن أن نهتم أولا بقصة هذه المريضة و بالتقلبات التي اعترت علاجها .لكن قبل ذلك ثمة أيضا كلمة.لا تخشوا من أن يكون التكوين الطبي ضروريا لمتابعة عرضي . سنمضي في نفس الطريق مع الأطباء، لبعض الوقت ، لكننا لن نتأخر كثيرا في تركهم ، من أجل اتباع الدكتور براوير في طريق أصيل بشكل تام.

مريضة الدكتور براوير كانت فتاة صغيرة في سنها الواحد و العشرين، ذكية جدا، و قد أظهرت خلال عامين من مرضها سلسلة من الإضطرابات الفزيائية و الذهنية الخطيرة إلى حد ما .فهي مثلت تصلبا في الأطراف اليمنى خلال عملية التخدير،و من حين لا خر نفس التأثير بدا على أعضاء الجهة اليسرى،وفضلا عن ذلك ،اضطراب حركات العين و اختلالات متعددة في القدرة البصرية، صعوبة الإبقاء على الرأس مستقيما، السعال العصبي الحاد ، فقدان كل شهية للأكل و استحالة الشرب رغم العطش الشديد، على امتداد عدة أسابيع. كما مثلت ايضا تغيييرا في وظيفة اللغة، إذ لم تكن قادرة لا على الفهم و لا على الكلام بلغتها الأم .و اخيرا فقد كانت موضوع "غيابات "،و لحالات من الغموض ،

للهذيان ، و لتغيرات في الشخصية بأكملها؛ هذه الإختلالات هي التي سنعلق عليها كل انتباهنا.

يبدو من الطبيعي أن نفكر في ان الأعراض التي أتينا على عدها ، من المحتمل أنها تكشف عن انفعال خطير للدماغ ، يمنح أملا ضعيفا في الشفاء ، وسوف يؤدي بسرعة إلى الموت. سوف يقول الأطباء مع ذلك بأن ، في مقدار معين من الحالات ذات المظاهر الخطيرة كهذه، يمكن القيام بتشخيص إيجابي أكثر بكثير .عندما تلتقي الأعراض من هذا النوع لدى سيدة شابة ، أعضاؤها الرئيسة من قلب ، كلي وغيرها عادية تماما ، لكن سبق لها أن تعرضت لصدمات عاطفية عنيفة، و حينما تتطور هذه الأعراض بكيفية متقلبة و غير منتظرة ، يحس الأطباء بأنهم متأكدين . إنهم يتعرفون من جديد ، بالفعل، على أن الموضوع يتعلق هنا ليس بانفعال عضوي للدماغ، بل بحالة غريبة و مبهمة كان الأطباء اليونان يطلقون عليها من قبل إسم الهستيريا ، حالة قادرة على تمثيل مجموعة من الإضطرابات الخطيرة، لكنها لا تضع الحياة في خطر و تترك الأمل في شفاء كامل . ليس من السهل دائما التميز بين هستيريا كهذه عن انفعال عضوي عميق . لكن لا يهمنا هنا ان نعرف كيف نقوم بهذا التشخيص المختلف؛ لنسجل ببساطة أن حالة فتاة بروير الشابة هي حالة لا يسع أي طبيب مؤهل سوى تصنيفها ضمن الهستيريا .من المناسب التذكير هنا بأن أعراض المرض  ظهرت في الوقت الذي كانت فيه الفتاة الشابة تعالج أباها الذي تعشقه (خلال مرض كان عليه أن يستسلم له)  و بأن مرضه الخاص أجبره على التخلي عن العلاج .

إن المعلومات المتقدمة تفند ما استطاع الأطباء أن يعلموه لنا حول الحالة التي تهمنا . وقد حان الوقت لكي نترك هؤلاء الأخيرين . لأنه لا ينبغي أن نتخيل بأننا فعلنا الشيء الكثير من أجل الشفاء، حينما عوضنا تشخيص الهستيريا بتشخيص الإنفعال  العضوي للدماغ..

إن فن الطب عاجز أيضا في حالة كهذه كما هو عاجز في الحالة الأخرى . و حينما يتعلق الأمر بالهستيريا ليس بإمكان الطبيب ان يفعل غير ترك الأمر للطبيعة الخالصة في العلاج و الإنعاش الكامل الذي تملك الحق في تشخيصه .( إنني أعلم بأن هذا الإثبات غير صحيح تماما اليوم ، لكنه كان كذلك في الحقبة التي انتقلنا فيها . و إذا كانت الأمور قد تغيرت منذ ذلك الوقت، فإن الدراسات التي أحاول هنا التأريخ لها ساهمت في نصيب مهم في هذا التغير ).

إذا كان تشخيص الهستيريا يمس المريض قليلا، فإنه يمس الطبيب كثيرا. فموقفه مختلف حيال الهستيري، كما هو أيضا كذلك حيال العضوي . إنه لا يمنح لهذا نفس الأهمية التي يعطيها لذاك،لأن شره أقل جدية بكثير، رغم المظاهر . لا ننسى ابدا أيضا بأن الطبيب ، خلال دراساته ، تعلم أن يتمثل بالضبط نوعا ما أسباب الأعراض العضوية . أو على عكس ذلك، في حضور خصوصيات الهستيريا ،  معرقته، و علمه التشريحي ، الفيزيولوجي و الباطولوجي لا ينفعانه في أي شيء . إنه لا يستطيع ان يفهم الهستيريا ، أمامها يظل مفتقرا إلى الكفاءة . وهو ما لا يروق لأحد حينما يكون قد تعود على تقدير علمه الخاص تقديرا عاليا. يفقد الهستيريون ود الطبيب الذي يعتبرهم كأناس ينتهكون القوانين ( كما لو انه أحد الأتباع الاوفياء للهراطقة ). إنه يحكم عليهم بكونهم قادرين على اقتراف كل الحماقات الممكنة، يتهمهم بالمبالغة و التظاهر القصدي؛ ويعاقبهم بسحب اهتمامه عنهم.

لم يتبع الدكتور بروير سلوكا كهذا. فرغم انه عجز في البداية على أن يخفف عن مريضته، فهو لم يرفض الإعتناء ولا الإهتمام بها. بدون شك، أصبحت مهمته سهلة بفضل المزايا الملحوظة لروحها و السلوك الذي أبانت عنه . و قد سمحت له الطريقة الودية التي بواسطتها شرع في ملاحظتها بأن يقدم لها نجدة أولى. .

في حالات غيابها ، و تغييراتها النفسية مع الغموض، تمت ملاحظة أن المريضة كانت لها عادة الهمهمة ببضع كلمات كانت تبدو مرتبطة بانشغالات حميمية . بدأ الطبيب يردد كلماتها و قام بوضع المريضة في حالة التنويم ، عن طريق تكرارها أمامها كلمة كلمة ، آملا على هذا النحو إثارة الأفكار التي تشغلها. فوقعت المريضة في الفخ و شرعت في حكاية القصة التي كانت الكلمات التي تهمهم بها خلال حالات غيابها قد خانتها.

لقد كانت عبارة عن تخيلات تنم عن حزن عميق ،في الغالب ذات جمال معين - سنقول انها احلام و كانت تدور حول فتاة شابة تجلس إلى جانب سرير أبيها المريض . بعد ان عبرت عن عدد معين من تلك التخيلات ، وجدت نفسها قد تحررت و استعادت حياة نفسية عادية. إن التحسن الذي كان يدوم لبضع ساعات كان  يختفي قي اليوم الموالي، لكي يترك المكان إلى غياب جديد تقصيه ، بالطريقة نفسها،التخيلات الجديدة المتشكلة . لا شك في أن التعديلات النفسية المتمظهرة خلال الغيابات كانت نتيجة الإثارة المنتجة بواسطة التشكيلات التخييلية لنبرة عاطفية حية . هذه المريضة نفسها ، في هذه المرحلة من مرضها  لم تكن تتكلم و تفهم سوى الإنجليزية ،أعطت لهذا العلاج إسم "العلاج بواسطة الكلام"؛ كما أطلقت عليه ايضا ،وهي تمزح ، إسم"المدخنة الكاسحة""

 

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الترجمات

*******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت