في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت

 

كلود كولان: الديداكتيكا التجريبية في الفلسفة

 

في البداية يمكن تسمية هذا النوع من الديداكتيك بالتجربة الفلسفية أو انسجام المجالات :

نقدم هذه التجربة الفلسفية كطريقة للتفكير والتساؤل الفلسفيين، وكل شخص مهما كانت مستوى ثقافته، فإن عبوره من هذا الطريق المقترح والمتمثل في هذه الطريقة سيمكنه من الوصول إلى مستوى من الفكر الذي نعرفه عادة في الفلسفة ويتحدد هذا الطريق في 3 مراحل تسمى مجالات التفكير.

أ- المجال الأول : ويسمى مجال الأوضاع : كل الأحداث التي تقع والمواقف التي تعاش، والظواهر التي تمسنا سواء كانت هذه الأحداث مادية، نفسية، اجتماعية، مؤسساتية أي كل ما يظهر يعيش، يتطور ويموت.

ب- المجال الثاني : ويتعلق بالخطاب، القول، اللغة، التعبير بجميع أنواعه، الإنتاج الأدبي، الشعري، الصحفي، التواصل.

ج- المجال الثالث : وهو مجال النظرية المرتبط بنقد العقل المستوحى من حب الحقيقة والخير الإنساني.

ما هي الديداكتيك التجريبية :

يمثل الديداكتيك جزءا من البيداغوجيا، وهدفها هو دراسة تقنيات التدريس وكل ما يتعلق بالوسائل المساهمة في تحقيق الأهداف البيداغوجية والتقييم العلمي للمردود أي ردود فعل المتعلم كنتيجة.

وبالتالي فالديداكتيك ترتبط بكل العناصر المكونة للنشاط البيداغوجي (المتعلم، المدرس، الهدف، الوسائل المستخدمة ودرجة التعلم).

v     ديداكتيك الفلسفة :

يمكن فهم كلمة فلسفة بمعنيين اثنين :

   المعنى الأول : أنها تصور وتفكير في الكون، الحياة، الإنسان... وبهذا المعنى لكل واحد منا فلسفته، ويمكن أن نستشف من هذا المعنى نوعا من الالتزام تجاه الحياة مؤسس على قانون أخلاقي يخضع لمفاهيم من قبيل الحقوق والواجبات : الحرية، الواجب... وهي مفاهيم مستوحاة من المؤسسات السياسية والإجتماعية والقضائية والإقتصادية...

   المعنى الثاني : أن الفلسفة هي رجوع انعكاسي، منهجي، لمعطيات المعنى الأول للفلسفة، فالفلسفة هي التفكير في الفكر حيث أن العلم يهتم مباشرة بالشيء في حين تهتم الفلسفة بالشيء المفكر، إذ يمكن اعتبار منهجيتها طريقا مفتوحا نحو اللامتناهي والمعرفة، وتسعى الفلسفة بالأساس بالتساؤل حول صلاحية الوضعية المطروحة، وتقييم الفكر في أفق من التحقق الأنطلوجي والإبستيمولوجي.

وبالتالي، حين نتحدث عن تدريس الفلسفة ينبغي أن نركز بالأساس على المعنى الثاني، وذلك لدراسة المشاكل المتعلقة بهذه المادة، وسيحيلنا ذلك إلى :

الرصيد الفكري للمتعلم : إن دراسة الإنعكاسات الفكرية للمتعلم تجاه مجموعة من المهام الفلسفية والتي تستدعي تحليل الفكر، أو نكون خبرة معينة أو نعرف شكلا معينا، يمكننا من استخراج عدد من مميزات الفكر المشترك.

1-         يتم التفكير والتساؤل بدون استعداد، ويكون باشتراك الأفكار والمتمثلة في دراسات سابقة، ذكريات، ويتم تلقائيا من خلال تعاليق تبين مستوى معين من الثقافة والمعارف.

2-         يكون التساؤل ملموسا بإثارة أشكال حساس.

3-         يكون التفكير باستعمال اللغة المتداولة والتي نستعملها في حياتنا العادية.

4-         ينطلق التفكير من حاجيات ورغبات وأحاسيس الإنسان.

5-         يتجه التفكير نحو التعميم، وإنما يكون محدد اتجاه ما ينبغي أو ما لا ينبغي فعله.

6-         إنه تفكير مغلق على نفسه، إذ لا يمكن أن يخرج بمفرده لينفتح على مستوى من التفكير يمكن أن يتطور من خلاله.

نتائج هذا التفكير هي ما يلي :

   إننا نفكر كما يفكر الجميع، وليس كما تفكر ذاتنا.

   نرتبط بظاهر الأشياء.

   نحكم أساسا على الصورة.

   نحب أن نناقش استراتيجيات الأفعال.

إن طريقة توظيف الفكر لدى المتعلم المقبل على التفلسف يستدعي بالأساس الوقوف بداية عند تعلم الفكر المشترك والذي يزاوج بين الأفكار، المعتقدات، العادات...

v     الطريقة الفلسفية :

بخلاف تفكير الفيلسوف، فإن تفكير الفيلسوف يمتاز بالخصائص التالية :

   أن التفكير الفلسفي منهجي ومنظم.

   يكون التفكير الفلسفي في مستوى الأفكار باستحضار أفكار أهم الفلاسفة والمفكرين ويتوقف عند مواقفهم : المفاهيم، المصطلحات.

   يستعمل التفكير الفلسفي لغة معينة ومحددة.

   ينصب اهتمام التفكير الفلسفي نحو العقلانية، المبادئ، العلل والنظريات...

   يتأسس التفكير الفلسفي على المبادئ والتعريفات والمفاهيم المجردة.

   يبقى التفكير الفلسفي منفتحا على آراء ومواقف جديدة.

ومن هنا يمكن لنا استخلاص ما يميز التفكير الفلسفي عن التفكير العادي والمشترك.

v     البحث عن معنى ما يحدث :

إن التساؤل عن العمليات الفكرية هو تساؤل مركزي نحو آفاق الديداكتيك التجريبية، وذلك بأن نتساءل عن النهج الذي يسير عليه الفيلسوف في تفكيره الفلسفي. ويستدعي هذا التساؤل اعتبار النشاط الفلسفي مرحلة فكرية منظمة، كمسار حيث ينظم الفكر بكيفية خاصة، لأنه من خلال هذه المرحلة يمكن معرفة صفات وخصائص الفيلسوف.

إن نقطة انطلاق هذا التفكير هو من دون شك البحث عن المعلومة الصحيحة للشيء المفكر والذي يمكننا من إعطاء المعنى.

أ- من المهم أن نذكر أن تحديد المعنى من طرف الفيلسوف يمر من خلال البحث عن العلاقة التي تربطه بالواقع، وتعطي أمثلة عديدة من قبيل : أن الجيولوجي حين يزور Le grand Canyon، فإن الأحجار والصخور التي يتعرف عليها تكون بدون معنى في البداية، ولكن حين يحدد تاريخها وحقبتها، فهو بذلك يعطي معنى لتلك المنطقة.

ب- ينبغي كذلك تحديد طريقة تنظيم الفيلسوف لتفكيره، وذلك بالانفتاح على الواقع دون أحكام مسبقة، ينبغي الانطلاق في البداية مما هو كائن أو ما وقع (الأحداث) وبعد ذلك نحاول اكتشاف ما يربط بينها وبين الواقع من خلال التفسير والتأويل.

ج- من وجهة نظر البيداغوجي، يمكن تقسيم هذه المسألة إلى 3 مراحل : وصف دقيق الأحداث، ? التأويل، ? إعلان المبادئ، وهذه المرحلة الأخيرة تبين ما يمكن أن يتعلمه المتعلم من خلال هذا التفكير.

v     البحث عن دلالة الخطاب :

لا يتوقف الفيلسوف فقط عند ملاحظة ما يحدث وتأويله وإعطائه معنى، بل تحذوه دوما الرغبة للنفاذ إلى أعماق الأشياء والتساؤل والتحليل في بداية الأمر يصادف الفيلسوف مشاكل في المعنى ويجب عليها أن يواجهها بأن يتوسط كل ما يرد، بعد ذلك سيصادف مشاكل في الدلالة، ليكون موضوع تفكيره الآن هو الخطاب الذي يجب تحليله.

لا يشبه هذا التحليل، الروائي أو الفنان المسرحي أو العالم، فالتحليل المقصود هنا ليست هو تحليل نص باستخراج الفكرة الأساسية وما يربطها بالأفكار الثانوية، وبالتالي فهذا التحليل ليس تحليلا لغويا أو علميا كما عبر عن ذلك دوسوسير أو تحليلا نقديا بطريقة فيتجشتاين، ولما كان هدف الفلسفة هو توضيح الفكر، فإن تحليل الفكر له أهمية في بلورة الفكر الفلسفي.

يشكل التحليل أساس التجربة الفلسفية، فهو ضروري للفهم ولاكتشاف المشاكل الفلسفية، ونعني بالتحليل تقسيم الكل إلى أجزاء بسيطة، ويستدعي ذلك وجود ترابط فيما بينها وبين هذا الكل.

ما هي الصعوبات التي يمكن أن يواجهها المتعلم في هذا النوع من التحليل ؟

أ- من بين الصعوبات الأساسية، يمكن أن نتحدث عن اللغة المستعملة في تركيب الفكر الذي نسعى إلى تحليله، حيث يمكن التعبير عن الفكر بلغة متداولة عادية وملموسة أو بلغة إشارية، ولما يمكن أن تفرزه هذه اللغة من تأويل، فينبغي أن نجرد هذه المصطلحات ونجعلها أكثر قرب من مجال الفلسفة.

ب- يمكن الحديث كذلك عن نوع من الصعوبة والتعقيد في تركيب الفكر، ويعطي المقال مثالا يبين هذا الأمر، ليستخلص في النهاية أن التحليل عملية فكرية سهلة، ولذلك توجد طرقا مختلفة تنطلق من التعليق إلى التحليل الأكثر صوابا.

ج- ما هو دور التحليل في التعلم الفلسفي ؟

يمكن من توضيح الفكر، توخي الدقة والبحث عن المعنى الصحيح للكلمات.

يتعمق في الفكر بإلقاء الضوء على أهمية المفاهيم.

يمكن من اكتشاف المشكل الفلسفي، الذي يظهر في التحليل خاصة، حين نبحث في تحديد مفهوم مركزي للفكر.

v     تحليل الفكر والإشكالية الفلسفية :

في بداية الثمانينات 1983، وضع أستاذ في نيويورك مجموعة من الأسئلة، وذلك في المنتدى الدولي للفلسفة بموريال، وذلك لاهتمامه بتحسين فهم مختلف المفاهيم التي يتصورها الفلاسفة عن الفلسفة، وعن الوظيفة والتعليم، ومن بين هذه الأسئلة التساؤل عن مصطلح الإشكالية الفلسفية : "ما الذي يكون الإشكالية الفلسفية ؟".

وقد تم التوصل إلى أجوبة مختلفة :

   إجابات اهتمت بطبيعة الإشكالية الفلسفية، إذ يمكن تعريف الإشكالية الفلسفية من خلال اهتمامها بالعلل الأولى، الطبيعة، الوجود، البحث عن المعنى، القيمة، اليقين، نقد المعرفة.

   إجابات تطرقت إلى خصائص الإشكالية الفلسفية : ما يميز الإشكالية الفلسفية هو :

  عقلانية التساؤل والتي تنفذ إلى عمق الأشياء وتتجاوز التجريبيةالأداتية.

  كونية المشكل.

  تتجه الإشكالية الفلسفية نحو الظاهراتية المتعالية.

   إجابات تطرح موضوع الإشكالية الفلسفية : حيث تهتم الإشكالية الفلسفية بالحياة الإنسانية، المجتمع، اللغة، المعرفة، الرغبة...

كما تهتم بكل ما يمكن معرفة تطور الوسائل النظر للحد من الإيديولوجيا. ما يمكن استخلاصه من هذا الاستطلاع هو إمكانية توضيح مصطلح الإشكالية الفلسفية من وجهة نظر ديداكتيكية.

v     مصطلح الإشكالية الفلسفية :

إن التعريف الرائج للمشكل بصفة عامة هو صعوبة يمكن تجاوزها للوصول إلى نتيجة معينة، أما المشكل الفلسفي فيرتبط بالأفكار والنظريات وكل ما هو مرتبط بخصوصية الفلسفة.

v     المستويات المختلفة للإشكالية الفلسفية :

   المستوى الأول : ويتمثل في فهم التجربة المعاشة وإعطائها معنى، ما يمكن اقتراحه على المستوى الديداكتيكي لتوضيح التجربة المعاشة هو إتباع الخطوات التالية :

  أولا : وصف الحدث أو الوضعية أو الظاهرة في كل تفاصيلها.

  ثانيا : تأويل هذه الأحداث لإعطائها معنى وذلك بتفسير أسبابها، عللها ومعناها...

  ثالثا : تفسير هذه المعطيات لإمكانية دراستها فلسفيا.

   المستوى الثاني : ويهم مستوى الفكر، ومن ثم توضيحه من خلال التفكير فيما هو معاش، والذي يحتوي دوما على إشكال فلسفي.

   المستوى الثالث : ويهم مستوى النظرية، حيث أن الإشكال يدعو إلى الخلق لاكتشاف الفكرة الواضحة كما سماها باسكال، ويعتبر أرسطو نموذجا بارزا في مسألة الأشكلة وإبداع الأفكار الواضحة.

v     البحث عن انسجام المجالات : وذلك من خلال نقد الفكر :

   النقد الفلسفي : وذلك من جهة عن حل الأشكال الفلسفي، ومن جهة ثانية البحث عن جوهر المفهوم المركزي والتساؤلات التي ترتبط بالمواقف التي تم تحليلها، إن كل مدرس يحمل مسبقا أو من غير وعي تصورا حول الخطوات الفكرية المفروضة لتعلم الفلسفة.

إن هدف الطريقة الديداكتيكية هو اقتراح الطريق التي تقود إلى المعرفة العميقة بالواقع والمراحل التي ينبغي إتباعها للوصول إلى أعماق الأشياء وأعماق الذات، (الطريقة التوليدية السقراطية المتمثلة في مقولة اعرف نفسك بنفسك).

   مجال النظرية : تتأسس النظرية في البناء الفكري، وتسعى بالأساس على التوضيح وليس للإرشاد كما قال برغسون وبرهيه هايدغر، ويسعى نقد الفكر بالأساس إلى محاولة تحقيق تناسق بين المجالات المعاشة والمتلقاة، وذلك باستيحائها من الحكمة، وهي المرحلة التي تعطي للفكر قدرة لانفتاحه على الذات والعالم.

v     العلاقات التي تربط بين المجالات الثلاثة :

يمكن اعتبار هذه المجالات الثلاث تعبيرا للعقل الفلسفي، لأنها تحتوي على كل ما يميز الفلسفة، يهتم المجال الأول بالتعبير وإنتاج فكر شخصي منظم. في حين يمكن المجال الثاني من فهم دلالة الخطاب والموقف، ويسعى لاكتشاف الأشكال المطروح، ويقود المجال الثالث للبحث عن الفكرة الواضحة التي تؤدي إلى تناسق الفكر.

   المجال الأول : وهو المجال المعاش، يهتم بالأحداث والوقائع التي تحدث، المواقف التي تعاش، الظواهر التي تخصنا، والتناقضات التي تتواجه فيما بينها، تطور التاريخ بما فيه من أحداث فيزيائية، نفسية، اجتماعية، مؤسساتية، كل ما يظهر ويتطور ويموت، مبدئيا فهذا المجال هو الموقع الأساسي للمعلومات، وهو بداية التعلم وواجب ما هو كائن.

   المجال الثاني : وهو ما يتلقاه الإنسان، ويتكون من الخطاب، اللغة، الإنتاج الأدبي، الشعري، الصحفي... إنه التعبير عن ما هو كائن.

   المجال الثالث : وهو مجال النقد، نقد الوعي المتحرك بمحبة الحكمة.

تتحرك هذه المجالات بالإشتراك فيما بينها في جميع المستويات التي ينشط من خلالها الذكاء البشري، وتناسق هذه المجالات هو ما يعبر عن التجربة الفلسفية.

لنتساءل بعد ذلك، كيف يتم تركيب التجربة المعاشة ؟

v     التجربة المعاشة :

   فينومولوجيا التجربة المعاشة :

إن ما يعيشه المتعلم، يمكن له أن يكونه ويفهمه بذاته، فالتجربة المعاشة هي عمل شخصي، لا يمكن لأحد أن يفكر محل الآخر، فالتفكير الذي نبينه بأنفسنا مثل لوحة نرسمها على القماش، الذي نختاره، والأدوات والألوان التي نختارها ونتخيلها، ومن ثم فعلى المتعلم أن يختار بنفسه الحدث والظاهرة والوقائع التي نسعى لفهمها.

v     أمثلة : للتجربة المعاشة :

1-          بعض التجارب الوجودية، وهي الأحداث التي تمس الشرط الإنساني كالموت، الوحدة، المسؤولية...

2-          التجربة العملية المرتبطة بمهنة أو وظيفة معينة، أو بكل بساطة استعمال التكنولوجيا كالهاتف، السيارة، الطائرة، الحاسوب.

3-          التجربة المرتبطة بشكل خاص بالإنسان كـ : التفكير، الكتابة، الكلام، الإرادة، الحب...

4-          التجربة الثقافية المرتبطة بكل ما هو ثقافي، العلم، الفنون، الدين، اللغة...

وهذه التجارب هي مصدر أساسي لكل ما هو واجب بالنسبة للإنسان ومعلوماته حول العالم الذي يعيش فيه.

v     الطريقة المتبعة لفهم التجربة :

   المرحلة الأولى : يجب من خلالها أن نميز بين العناصر المكونة للحدث أو الظاهرة، ملاحظتها، تقديمها كما تظهر لنا، أن نسير أغوارها، وأن نصفها حدسيا، وبعد ذلك نصفها بطرح أسئلة من قبيل : من ؟ ماذا ؟ أين ؟ متى ؟ ما هي العوامل ؟ وما هي النتائج ؟

   المرحلة الثانية : وتتمثل في عملية التأويل للوصول إلى المعنى والدلالة.

   المرحلة الثالثة : وهي مرحلة استنباطية أو استقرائية لتركيب الخاتمة والتي يمكن التعبير عنها عن طريق تعريف أو مبدأ.

v     بعض الملاحظات البيداغوجية :

تحيلنا المرحلة الأولى من البحث إلى مجال المعنى، إذ يرى الفيلسوف أن المعنى هو المنظور الإنساني للواقع، وأن المستوى الأولي من البحث هو ما يمكن تسميته بمرحلة التحليل الظاهراتي والتي يتم الاشتغال من خلالها على الرابط بينها وبين الإنسان.

ومن وجهة نظر بيداغوجية، فهذه المرحلة هي بالأساس البحث عن المعلومة التي تشكل نقطة انطلاق لكل متعلم.

v     كيف نحلل الفكر ؟

يقوم تحليل الفكر على إعادة إنتاج المفردات بطريقة واضحة ومفهومة، فالتحليل ليس هو التعليق، أو التقييم أو قول ما نفكر فيه، بل هو بالأساس توضيح ما تم قوله.

وقد تم اقتراح خمسة مراحل لتحقيق هذا التحليل :

   المرحلة الأولى : وتتمثل في تحديد الفكرتين المتضمنتين في الاقتراح. ولما كان الفكر أساسا هو بمثابة حكم، فهو يتكون إذن من مفهومين مرتبطين بعلاقة معينة، ولتوضيح الفكر، ينبغي إذن في البداية عزل الأفكار المكونة له، بعد ذلك يلزم الاستعانة بقاموس للحصول على تعريفات للمفردات حتى نوفر للفكر الدقة.

   المرحلة الثانية : وتتمثل في تحديد العلاقة بشكل دقيق بين المفهومين، وذلك بالتساؤل عن الرابط الذي يجمع بين هاذين الفكرتين.

   المرحلة الثالثة : وتتجلى في إعادة تركيب خاتمة التجربة، لكي نتعرف هل الخاتمة التي تم التوصل إليها هي ما أردنا إثباته أو نفيه.

   المرحلة الرابعة :  تحديد المشكل الفلسفي الذي يقع دوما في مستوى هذه العلاقة، ومن ثم فإن هذه المرحلة تستدعي ضرورة طرح هذا التساؤل.

   المرحلة الخامسة : تحديد المفهوم المركزي.

ملاحظة : لعملية التحليل أهمية كبرى في التعلم الفلسفي، لما يقدمه من توضيح للفكر وتطوير للذوق والدقة والصرامة والدلالة الصحيحة للكلمات وتحديد المفاهيم.

v     كيف نصوغ النظرية ؟

   الجزء الأول : المرحلة الشخصية : فبعد انتهاء عملية التعليل، نرتقي بعد ذلك إلى مستوى النظرية أي إلى الفكرة الواضحة المكونة من مجموعة من أجوبة تساؤلاتنا، وهذه المرحلة شخصية لأن المتعلم سيعتمد على قدراته الذاتية في تقويم فكره.

   وسائل التأكيد الشخصي للفكر : هناك طريقتين لسبر أغوار الفكر، إما أن ننطلق من المشكل نفسه، أو من المفهوم المركزي للتجربة.

1-       الانطلاق من خاتمة التجربة : وذلك بنقدها للبحث عن حل للمشكل، لذلك على الباحث أن يختار الطريقة المناسبة له.

   الطريقة الأولى : من خلال الجدل والذي مكن من إعادة تركيب الفكر في نهاية التحليل، من طرح تأكيد للموقف، ويرتبط هذا الموقف بموقف معاكس ونقيض، وإيجابية هذه الطريقة أنها تقودنا مباشرة إلى قلب المشاكل.

   الطريقة الثانية : يجب البحث عن تناسق الأضداد وتوافقها، وهي طريقة يتم استخدامها عادة بنجاح من طرف المتعلمين، يمكن كذلك استعمال الحجج.

2-       الانطلاق من المفهوم المركزي : لتدقيقه من جميع الزوايا، وذلك بتوضيح العلل التي تمكن من التعمق والتدقيق في السؤال، وذلك بطرح الأسئلة التالية :

أ-ما هي العناصر المكونة له ؟ (العلة المادية).

ب-ما الذي يميز هذا الموضوع عن باقي المواضيع المكونة أساسا من نفس العناصر ؟ (العلة الصورية).

ج-من ماذا ؟ ومن الذي أنتجه ؟ (العلة الفاعلة).

د-ما هي غايته ؟ (العلة الغائية).

تحلينا هذه الأسئلة إلى عمق وأساس كل فلسفة.

   الجزء الثاني : مرحلة الفلسفة المكتوبة : وهي مرحلة مهمة، لأنها تمكننا من معرفة ما تم التفكير فيهّ، ومناقشته وتقويمه، وهي مرحلة طويلة يمكن اختصارها من خلال العودة إلى الكتب المدرسية التي سنجد فيها المشكلات الفلسفية ومنظمة وفق ترتيب معين.

1-      مشكل الحقيقة : تمت دراسة هذا المشكل في الكتب التي اهتمت بالمعرفة، المنطق، الإبسيتمولوجيا.

2-      مشكل القيمة : المرتبطة بالنشاط الإنساني، ومن بين الكتب التي تهتم بهذا الموضوع : كتب الأخلاق.

3-      مشكل الوجود : ويطرح أسئلة أنطلوجية تتعلق بالوجود ككتب الميتافيزيقيا والأنطلوجيا.

   الجزء الثالث : ويتمثل في مرحلة النظرية المركبة والخاتمة النهائية. إن صلاحية نظرية معينة في مشكل ما، يشترط صلاحيته تطبيقها في حالات أخرى مشابهة وطرح المشكل بمفردات أخرى، بإضاءة جديدة وآفاق مختلفة.

بعض التعريفات المرتبطة بمقالة الديداكتيك التجريبية للفلسفة.

   التحليل : عملية فكرية تتمثل في تقسيم الموضوع المدروس إلى عناصر مختلفة.

  العلة الفاعلة : هي العلة التي أنتج من خلالها الشيء.

  العلة الغائية : الهدف من وجود الشيء.

  العلة الصورية : الشكل الذي يتخذه الشيء.

  العلة المادية : العناصر المكونة للشيء.

   المفهوم المركزي : الموضوع الذي يتأسس عليه التفكير.

   النقد : تقييم وتقويم موقف ما.

   الوصف الموضوعي : الوقوف عند واقع الأحداث والظواهر والوقائع قبل القيام بأي تأويل.

   الجدل : طريقة تسعى للبحث عن تناسق بين الأضداد.

   التأويل : التفسير الشخصي والذاتي.

   منهج التفكير : مجموعة من العمليات الفكرية الضرورية للبحث الفلسفي.

   التجربة : هي التقاء بين الوعي والواقع الخارجي.

   الحس المشترك : الحس المتداول والمادي.

   المبادئ : هي قوانين كونية تنظم عملية الفكر المنطقي والعقلي.

 

كلود كولان : الديداكتيكا التجريبية في الفلسفة 

ترجمه عن النص الفرنسي : أمينة صوفي و فؤاد بوحلوبة

 مع تحيات موقع تفلسف

tafalsouf.com


 

 

عودة إلى صفحة الترجمات

رجوع إلى صفحة الاستقبال