الرمزية السياسية

                                                                                                                                         محمد الخشين

 

 

حول الرمزية السياسية عند لوسيان سفيز

لقد أدى الاهتمام بالرمز كآلية من آليات التواصل السياسي إلى بروز مجموعة من الأعمال التي حاولت الخوض في مجال الرمزية السياسية بالتأمل والتفكير الفلسفيين.غير أن حضورها وتأثيرها كانا قويين منذ القديم . ان العملية الرمزية_كما يقول لوسيان سفيز في كتابه"الرمزية ..السياسية" والصورة الرمزية غير قابلتين للانفصال،فالصور تمثل العملية والعملية تبلور الصور ومقابلهما هو القيمة والحقيقة.لكن هوة ستطرا بينهما .فالعملية الرمزية تقوم باسترجاع ما مضى من الأحداث والأمجاد التاريخية،وتظهر كاتفاق جماعي وكتحول من وضع الى آخر بشكل متزايد،أما الصور الرمزية،فهي عبارة عن مرآة تعكس محطات اعادة التوحيد غير المكتمل.

غير أن هذا الانفصال سيكون محط تفكير أفرز ثلاث نظريات.الأولى لمونتسكيو،سوف تعنى بالعلامة والصورة الرمزية،الثانية لروسو تطرقت للعملية الرمزية وانصهارها مع الحقيقة.والثالثة لماركس الذي ربط بين النظريتين.

.1السياسة التصورية عند مونتسكيو

يفرغ هذا الفيلسوف السياسة من كل محتوى ديني او أخلاقي ،فهو يتخلى عن كل مرجعية تحتكم الى المصادر الدينية والى الحقيقة الالهية.يقول مونتسكيو لأننا لن نفهم شيئافي السياسة اذا ظللنا في الخلط بين الحادث الأخلاقي والحكم الديني ,فالسياسة تخضع فعلا الى قوانين ومقاييس عقلانية ،والموقف العلمي يتوافق مع العلوم الفيزيائية،لأنه اذا كان كل شيء قابلا للدراسة،ينبغي أن نفسر كيف أن الطبيعة تتبدد وان نبرز كذلك هذا التقهقر بمراكمة الصور الرمزية بفضل مرآة العلوم السياسية.

ان الافراط في الازدهار خطأ لأن عظمة الدول وقوتها سبب انحطاطها.ويترتب عن ذلك أن مهمة الحكومة الجيدة هي ايقاف التطور الطبيعي للمجتمع من خلال تشجيع القوى المحافظة والليبرالية لوقف هذا التطور ،وهو ما اعتبره في كتابه "روح القوانين" اتجاه الدولة نحو افتقاد حريتها وبالتالي نحو الفناء.وهكذا يعد تشاؤم المحافظين مؤكدا لعدم ثقتهم في الشعب الذي يعتبرونه عاجزا عن المناقشة في مختلف القضايا والقادر فقط على انتخاب ممثلين عنه ،وهؤلاء يمثلون جسدا معزولا،وآخرون يتم تمثيلهم بامتيازاتهم بحسب الثروة، النبل والشرف ،هذا التركيب يخدم الفيودالية،اذ أنه يضمن توازنا في القوى لصالحها،مادام يتعلق فقط بنظرية اصلاحية عن طريق الرمز التصوري الذي سيشكل تلميعا لصورة السياسة

على هذا النحو تستدعي الحياة السياسية قوة الحضور الرمزي كشرط لوجودها وكقوة دينامية لاستمرارها .فقوة االصورة الرمزية تستطيع ان تجمع وتقوي النموذج في مكانه .ان البورجوازية المندمجة جدا في جهاز الدولة لها ممثلون يرجحون أن مصلحة الدولة على المدى البعيد بعيدة المنال مما يعني ضرورة التحالف مع النبلاء ..ان الرئيس يحلم دوما بملكية تستشير العلم الوضعي الذي يستطيع عن طريق صوره المتعاقبة أن يوفق بين التقتير والبذخ،أي أن تضم هذه الملكية تجارا نشيطين في وضعية ارتقاء اجتماعي،حيث يجب أن يظلوا بخلاء رغم أنهم أغنياء،الى جانب نبلاء مترفين،اذ يصبح الكل منتفعا من الآخر،ويتحد الطرفان في شخص الملك.

هكذا يمكن تمثيل الصور الرمزية لهذه السياسة وتركيزها في تقوية الجسد الرمزي للملكية الهالكة،حيث يمثل هذا الجسد الصور الجماعية المقتبسة من الخارج والمأخوذة من التاريخ الروماني،من تاريخ اليونان ـأو البربر،ومن فضاءات خارجية أخرى لانجلترا،روسيا وتركيا.فالصورة الملكية تسترجع في مركزها كل هذه التعارضات. وهي تعارضات تسمح باثارة السؤال،كيف يمكن الجمع بين طريقة الانتشار في مجال ترابي محدود وبين قوة مكبوحة وبين ترف زاهد وزراعة تجارية؟

ان مقومات الصورة الرمزية انتاج زائد للعناصر الواصفة للعظمة،للترف،للثروة وللسعادة.انها رمزية زائدة منتجة من أجل معالجة عيوب الرمز.فالصورة الرمزية رابطة تتقوى بالمتناقضات،بالتعددية والأسطورة.ويخلص مونتسكيو الى أن الملكية عموما لتستمر عليها أن تحافظ على هذه الروح الانصهارية،المتناغمة والأخاذة بشكل ديناميكي وفعال.

2العملية الاندماجية لروسو

على خلاف مونتيسكيو،الذي يبتعد عن البحث في الاصول والحقائق الكلية،يذهب روسو الى أن السياسة لا يمكنها أن تتجاوز العملية الرمزية،او أن تغض عنها الطرف.حيث ترتكز على جعل الانسان ينحاز الى السفح الطبيعي للعلامة الرمزية.يكتشف روسو فجوة بين ما هو طبيعي وما هو ثقافي.وهو اشكال جديد يقود الى طرح السؤال حول الاصل،وحول التدهور في أصل العالم الحديث.

وقد بين روسو أن المساواة الطبيعية تحولت شيئا فشيئا الى لامساواة اجتماعية ينهجها التاريخ الذي يغذيه نظام التمثل،وهذه عملية رمزية جديدة.لضمان هذا الانتقال يستعمل روسو القانون المقدس المعبر عن"عقد" "فالجسد السياسي والحكم لا يستمدان وجودهما الا من قيمة العقد.هذه الوحدة ستمحو اللامساواة لتسترجع المساواة الوطنية،وهذا مهم في حد ذاته.فبدل القطيعة بين ما هو طبيعي وما فوق الطبيعة،حلت القطيعة بين الطبيعة والمجتمع.ان الاب اذا اراد ان يحسن صنعا،ليس عليه سوى أن يستشير قلبه.لكن الحاكم قد يتحول الى خائن حينما ينصت الى قلبه.على الحكام ان يقتدوا بما يمليه عليهم العقل العمومي،الذي يمكن أن يتلاءم مع معطيات القلب ذاتها،كما قال منظر الثورة الفرنسية في"خطاب حول الاقتصاد السياسي".ان أفضل وسيلة للهروب من الافراط في التمثيل هو ألا نتخيل كثيرا،أي أن نعيش لحظات منفصلة عن بعضها البعض في سلسلة منفردة للدلالة...يجب أن نعيش حاضرا بلا ذاكرة في سلسلة من الاحداث التي تسير من الحياة الى الموت.

مأخذ روسو على التمثيل في السياسة،هو الفارق الزمني بين لحظة الانتخاب أو النتائج وبين لحظة التنفيذ.هذا الفارق الزمني يدفع الى التساؤل ..من يستطيع أن يضمن أن رغبات المحكومين المعبر عنها في زمن الانتخاب،لايتم تحويلها وتشويهها من طرف الحكام في الزمن الموالي ؟لتجاوز كل خطر محدق قد يطرأ في أية لحظة،يرى روسو ضرورة العمل على تنظيم انتخابات متكررة،والتصريح بحق المنتخبين في كل لحظة بتنحية المنتخب،ومن خلال ذلك يمكن أن تعودالاخلاق الاصيلة والطبيعية لمذه السيرورة التي يتيح تحقيق الاحتفال السياسي الذي يطمح روسو اليه.وهكذا تتجلى السياسة الرمزية لروسو في البحث عن الأصول والحقائق الكلية والنهائية للعملية الرمزية.

3السياسة الرمزية عند ماركس

تشبعت دراسة ماركس للرمزية السياسية ببحوث سابقيه.كما أن نظريته في هذا المجال متأثرة بفكره الاشتراكي.ان الوسيلة الوحيدة لتحقيق الثورة حسب ماركس هي القضاء على العملية الرمزية للرأسمالية التي تعمل على ضمان مصالح مختلفة للبيروقراطية عن طريق الايديولوجيا والرأسمال الرمزي الذي يسيطر بطريقة غير مرئية والذي يتضاعف في صور رمزية .يقدم ماركس مثال نابليون بونابرت الذي لم يستطع أن يشكل دولة الا عن طريق ميكانيزم الرمزالمزدوج للصورة والنقود.هذا هو الحال بالنسبة لكل تمثل في حقل الايديولوجيا ،اذ تتم الرمزية بواسطة تحويل الصورة الى تمثل معطى معين،من اجل واقع كلي.وهذا هو العمل الخاص بالرأسمال الرمزي من الناحية الوظيفية.

ان صناعة الصور أصبحت،في نظر ماركس،مجالا مفتوحا للرأسمال الذي يكنس الحقل الاجتماعي بغاية التلميع،لتحقيق صورة كاملة عن الصنف الجيد لرجال السياسة وأخرى عن الدولة نفسها.لتحقيق الشفافية،يسعى ماركس الى النضال ضد التمثل الذي يمر من خلال الصراع مع الزمن.ذلك أن البحث الملموس في قضايا ماركس ولينين بحث عن نهاية السلطة.

ان العملية الرمزية والصور الرمزية نتاج مجتمع سيأتي في المستقبل.والخيال الخاص بالشعب أي الذاكرة الجماعية هي كخيال الكائنات التي لاتفكر بصفة عقلانية،عرضة للتأثر العميق.فالصورة الرمزية التي تثيرها شخصية أو حدث ما لها نفس الحيوية التي تملكها قوة الاشياء.من هنا يمكن القول أن الجماهير تشبه، الى حد ما،حالة النائم الذي يتعطل عقله.فالجوانب الساحرة والاسطورية التي تدهش،تؤثر على الذاكرة الجماعية للمجتمع،وهو ما يجعلها تلعب دورا أكثر أهمية من الواقع، وبالتالي يهيمن اللاواقعي على الواقعي.

.على قاعدة الخيال الشعبي تأسست مفدرة الفاتحين وقوة الدول ،ولهذا السبب نجدرجالات الدولة الكبار في كل العصور اعتبروا الذاكرة الجماعية للشعوب بمثابة دعم حقيقي لسلطتهم.

على أن الذاكرة لاتحتفظ فقط بالصور والمشاهد السارة،بل بصور قاتمة ومحزنة أيضا ،كصور الهزيمة،المعاناة،الظلم والاستعمار....وهي صور يدونها التاريخ ويوطدها الزمن كأحد أهم العوامل الأكثر تأثيرا ونشاطا.فالزمن هو المولد الحقيقي للصور والمدمر الكبير.وهو الذي يطبخ عقائد الشعوب وآراءها على ناره البطيئة.والوظيفة الأساسية التي تؤديها الصور الرمزية ،هي أنها دواء يصلح لمعالجة أمراض التمثيلية السياسية.لكن هذه الوصفة،مثل كل دواء قد تتحول في أي وقت الى سم لادغ يمكنه ان يعجل بالرحيل السياسي لمستعمله.

ولاستحضار أهمية الرموز في حل الأزمات وأمراض المجتمع ،يمكن البحث في وظيفة الشعارات الوطنية،ودلالات الألوان الرسمية المستخدمة في الأعلام الوطنية.كما يمكن البحث في دور المهرجانات والاحتفالات الرسمية،وبيان دورها وأهميتها في توطيد دعائم أي نظام سياسي،وتكريس المعتقدات الوظنية واغناء الذاكرة الجماعية للشعب وفقا للتوجه الذي يريده النظام السياسي الحاكم في الدولة.

ان أبرز تجليات الرمزية السياسية تتجسد في العلم الوطني للدولة.ذلك أن كل نظام سياسي الا ويأخذ من بين أولوياته الكبرى الاهتمام بالعلم الوطني.ان الاختيارات على هذا المستوى لايمكن أن تكون اعتباطية،اذ أنها تنطوي بالضرورة على دلالة تاريخية وسياسية.لذلك يملك العلم قيمة مقدسة.كما أنه يحتوي على رموز متعددة الدلالة.رموز للتجميع،للتوحيد ولتحريك المشاعر وتأجيجها،وقد شكل المساس بالعلم الوطني ،منذ القديم،جريمة كبرى تمس بالمقدسات وتستدعي أحكاما قاسية بالسجن والتعذيب،لردع القيام بهذا الفعل.يلعب العلم دورا في التذكير بالهوية المشتركة والتمثلات التي تكونها.فهو استثمار حقيقي للتاريخ واستحضار لعظمة وجلالة الدولة التي يجسمها،ومرآة حقيقية للتاريخ الوطني وهو كذلك منبه فعال.

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

 

*******************

**************

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

**

                                                                                                  رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

 

 

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت