السوسيولوجيا ، موضوعها و منهجها

محمد الخشين                                                                                             

 

 

     موضوع السوسيولوجيا:

1-   وجهة النظر السوسيولوجية.

 

تتميز السوسيولوجيا أولا عن التاريخ. ذلك أن الحوادث المدروسة من قبل هذين الفرعين هي هي. لكن بينما يرتبط التاريخ بجزئياتها في الزمن والمكان، وبما يمنحها فيزيونوميا Une physionomie  خاصة بها، تقوم السوسيولوجيا بالعمل التحليلي لهذه الحوادث بغاية استخلاص العناصر العامة: الأنماط الاجتماعية، والعلاقات الثابتة: أي القوانين.

ولا تتداخل السوسيولوجيا أيضا مع الدراسات الاجتماعية المجردة مثل ما هو عليه الحال في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي. فهي لا تنطلق مثل هذه الأخيرة، من مبادئ مجردة ومن مفاهيم مثالية على غرار مفهوم الإنسان الاقتصاديL’homo oéconomicus ، إنها تنطلق من الحوادث نفسها أي من الواقع الاجتماعي الملموس، وهي تجهد نفسها من أجل استخلاص عناصره العامة.

وأخيرا، تتميز السوسيولوجيا عن الدراسات الاجتماعية المعياريةétudes sociales   normatives مثل ما هو عليه الأمر في السياسة أو الاقتصاد الاجتماعي. إن هذين الأخيرين لهما هدف عملي: فهما يسعيان إلى تحديد أفضل أشكال التنظيم السياسي أو الاقتصادي. أما السوسيولوجيا، فإن هدفها المباشر، مثل جميع العلوم، فهو عكس ذلك، نظري بصورة خالصة.

2-   استقلال السوسيولوجيا:

إن السوسيولوجيا لا تملك فقط وجهة نظر خاصة بها، وإنما أيضا موضوعا يتميز عن سائر الموضوعات التي تدرسها سائر العلوم الأخرى.

- السوسيولوجيا والبيولوجيا: أثبت بعض المؤلفين انطلاقا من بعض المقارنات أن المجتمع ليس سوى جهازا عضويا Organisme شاسعا ومعقدا جدا. ونتيجة هذا التحليل تكمن في القول بأن الحياة الاجتماعية لا تختلف من حيث طبيعتها عن تلك التي تعلن عنها البيولوجيا .وفي هذه الحالة لن تكون السوسيولوجيا إلا كملحقة للعلم البيولوجي.

لكن يوجد فرق جوهري بين الوقائع البيولوجية والوقائع الاجتماعية، ذلك أن هذه الأخيرة ترتكز على الإحساس، التفكير والتصرف وباختصار فهي حوادث ذات نظام نفسي.

- السوسيولوجيا والسيكولوجيا: هل ينبغي إذن رد السوسيولوجيا إلى السيكولوجيا؟ هذا هو ما فكر فيه أحد السوسيولوجيين الفرنسيين وهو غابرييل طارد Gabriel Tarde  وبحسبه، فإن الحادثة الاجتماعية الأساسية هي المحاكاة أو التقليد L’imitation

 l’être social, en tant que social, est imitateur par essence  

"إن الكائن الاجتماعي بوصفه اجتماعيا مقلد في ماهيته" فالرأي، الموضة والعرف كلها ظواهر مبنية على التقليد. و إذن فالاجتماعية La socialité سوف ترتد إلى علاقة محض نفسية بين الأفراد، ولسوف تعود السوسيولوجيا إلى سيكولوجيا بين ذهنية "Psychologie intermentale"

- نقد:أولا هذا التصور غير كاف: فالمجتمع لا يتكون فقط من وقائع نفسية، ولكن أيضا من وقائع مادية (معالم عمرانية، أعمال فنية، الأدوات، الثروات...إلخ، ومن صياغات (دينية، قانونية ، تقنية...إلخ) وهي تعتبر كنشاط اجتماعي مبلر.Activité sociale cristallisée

ثانيا: إن الحالات النفسية الجماعية ليست الحالات الفردية نفسها ذلك أن البشر كجماعة يفكرون، يشعرون ويتصرفون بصورة مغايرة كما لو كانوا معزولين، لقد أظهرت سيكولوجيا البدائيين بان التمثلات الجمعية لها قوانينها الخاصة وبالأحرى أشكالها الخاصة والتي لا يمكن اكتشافها عن طريق دراسة الفرد كما اثبت لفي برولLévy-bruhl  "الوظائف الذهنية في المجتمعات الدنيا".

ثالثا: وأخيرا فإن السيكولوجيا الفردية عاجزة عن تفسير تفاصيل هذه المؤسسات من كل نوع المعقدة والمتنوعة جدا، والتي نجدها في مختلف المؤسسات ، وهكذا فلا الشعور بالحب كاف ولا المشاعر الأليفة كافية لأخذ الأشكال المتعددة التي يكشف عنها التنظيم الأموسي والأسري Organisation matrimoniale et familiale  بعين الاعتبار. كما أنها عاجزة عن شرح الأنانية التي تدفع الإنسان إلى تملك الأشياء النافعة وبالتالي لا تستطيع أن تفسر هذه القواعد المعقدة جدا والتي تشكل في كل حقبة تاريخية، حق الملكيةLe droit de propriété  كما قال كل من فوكوني Faucounnet وموس Mauss في مقال تحت عنوان "السوسيولوجيا" منشور ب "الموسوعة الكبرى" Grande Encyclopédie

 3-   خصوصية الحادثة الاجتماعية Spécificité du fait social

      إذن فالسوسيولوجيا لا ترتد لا إلى البيولوجيا ولا إلى السيكولوجيا: فالحادثة الاجتماعية لها مميزات خاصة بها. فمن ناحية أولى إن المجتمع  ليس مجموع الأفراد، مثلما أن الجهاز العضوي ليس مجرد تجميع للخلايا إن المجتمع عبارة عن تركيبة أصلية. ومن ناحية أخرى يجب أن نتعرف ثانية على كون هذه الواقعة تتشكل في جزئها المعظم من طرق الإحساس، التفكير والتصرف أي من حالات للوعي. هكذا نجد أنفسنا بالضرورة أمام مفهوم الوعي الجمعي Conscience collective الذي له شرطه الضروري في وجود الوعي الفردي لكل شخص. لكن دون أن يكون هو شرطه الكافي: "إن وعي الأفراد كل واحد على حدة، يجب أن يكون مترابطا بطريقة معينة ومن هذه التركيبة تنتج الحياة الاجتماعية. (دوركايم Durkheim " قواعد المنهج السوسيولوجي". ص: 127). وهذا المفهوم كان موجودا في سيكولوجيا الجماعة والمجموعات الإثنية. غير أن ما يجب فهمه هو أن الوعي الجمعي ليس مجرد توسيع للوعي الفردي. فالوعي الجمعي الذي يخلق المثال، من وجهة نظر أخلاقية، أرقى من متوسط الوعي، وهو يملك سلطة خاصة تتخذ صورة قوانين إلزامية سواء كانت منقوشة في القلب أو معبر عنها في صيغ قانونية، أو كان الخضوع لها عفويا أو مستلهما بشكل قائم على القهر، فإن عددا من القواعد القانونية، الدينية والأخلاقية تتبدى بواسطة هذه الميزة: معظم الأفراد يخضعون لها، حتى أولئك الذين يغتصبونها يعرفون مدى حاجاتهم للإلزام، وعلى كل حال، فإن المجتمع يذكرهم بالخاصية الإلزامية لنظامه بفرضه عليهم الجزاء أو العقاب Sanction (كما قال فوكوني وموس مرة أخرى) وفي المجتمعات الدنيا، حيث كل شيء يقوم على الإكراه. بما في ذلك طريقة اللباس، تعتبر هذه الخاصية للقواعد الاجتماعية مدققة جدا. لكن في مجتمعات مثل مجتمعاتنا هي أقل من ذلك بكثير وهنا أيضا يجد الفرد نفسه  رغم ذلك أمام طرق للإحساس، التفكير والتصرف تفرض نفسها عليه، وبهذا المعنى فإنه يجدها ممؤسسة بصورة قبلية عن وجوده وترتكز التربية على نقلها إليه. وهكذا فكل جيل يتلقى عن سابقه التعاليم الأخلاقية وقواعد الأدب للحياة اليومية، اللسان، الأذواق الأساسية مثلما يتلقى عن سلطة القواعد والتقنية المهنية التي يستلزمها كل شغل أو عمل.

إن كلمة المؤسسة  Institution، إذا وسعنا من مدلولها، تبدو ملائمة للإشارة إلى مجموع هذه القواعد التي تلقاها كل واحد منا من الخارج، دون أن يكون قد ابتكرها أو أرادها والتي قد يجد أحيانا صعوبة في تبريرها. إن الفرد إذن يجد كل شيء مؤسسا أمامه، بهذا المعنى يمكن أن تتحدد السوسيولوجيا بأنها العلم الذي يدرس "المؤسسات، نشاطها وطريقة اشتغالها" كما قال دوركايم.

4 –الحتمية في السوسيولوجيا:

     ليس هناك أي سبب لكي لا ننسب إلى السوسيولوجيا فكرة الحتمية التي تستند إليها كل العلوم الأخرى. وفضلا عن ذلك فإن بعض المعطيات الوضعية تنبهنا إلى وجود هذه الحتمية الاجتماعية.فمن جهة اظهر علماء الاجتماع أن "بعض المؤسسات الأخلاقية، القانونية، بعض المعتقدات الدينية كانت توجد بصورة متطابقة مع نفسها في كل مكان حيث أن شروط الحياة الاجتماعية مثلت نفس الهوية، هذا في بلدان بعيدة جدا عن بعضها البعض ولا يوجد بينها أي نوع من التواصل" [إميل دوركايم].

     ومن جهة أخرى تكشف الإحصائيات في الظواهر الاجتماعية ثابتة Une constante أعلى من تلك التي نجدها في الظواهر الطبيعية، إن حوادث مثل القتل أو الانتحار تمثل، في وسط اجتماعي معطى وفي شروط معطاة معدلا أكثر انتظاما من معدل الوفيات.

    سنلاحظ مثلا في الإحصائيات التالية الخاصة بفرنسا بين سنوات 1856 و 1860 أن الفروقات أكثر بروزا في الخانة الأخيرة بالمقارنة مع الخانتين الأولى والثانية. 

إميل دوركايم "الانتحار"

السنــــــــــــوات

القتل في كل مليون نسمة

 

الانتحار في كل مئة ألف سنة

الموت في كل ألف نسمة

1856

1857

1858

1859

1860

18

18.6

19.7

19.7

17.6

11.6

10.9

10.7

11.1

11.9

23.1

23.7

24.1

26.8

21.4

 

II- منهج السوسيولوجيا:

 

1-   المنهج الاستنباطي والمجرد La méthode déductive et abstraite

      لقد إعتقد ستيوارت ميل Stuart Mill، مستندا في ذلك إلى صعوبة التجريب في المادة الاجتماعية بأن السوسيولوجيا علم استنباطي. فمن مبادئ الطبيعة الإنسانية سوف نستخلص بعض النتائج التي سنخضعها فيما بعد للتحقيق. لكن ستيوارت ميل نفسه كان قد صاغ المسلمة التي يرتكز عليها هذا التصور: "إن الكائنات البشرية في المجتمع لا تملك خصائص أخرى غير تلك التي تنتج عن القوانين الطبيعية للفرد" (المنطق الجزء الأول الباب السادس الفصل السابع) وقد رأينا أعلاه كيف أن المسلمة قابلة للنقاش لكي لا نقول أنها خاطئة.

    إن مناهج التحليل المثالية المطبقة من قبل المفكرين في القرن السابع عشر والثامن عشر حين يعيدون بناء المجتمع انطلاقا من حالة الطبيعة حيث يفترض أن الإنسان عاش في عزلة أو المطبقة في أيامنا هذه من طرف الاقتصاديين حينما يعيدون بناء الحياة الاقتصادية انطلاقا من مثال الأومو إكونوميكوس Homo oeconomicus  أو من حالة روبنسون كروزو المعزول في جزيرته، مناهج غير كافية. وأقل ما يمكن أن يقال عن خطأ هذه المناهج هو إحلالها لمجرد تجربة ذهنية، لا تعطي أية ضمانة على تحقيق الموضوعية، محل تجربة واقعية.

2- المنهج الإستقرائي  La méthode inductive

إن المعطيات السابقة كلها تقودنا إلى هذه الفكرة وهي أن منهج السوسيولوجيا لا يمكنه أن يكون إلا استقرائيا: ذلك أن السوسيولوجيا علم تجريبي، فإذا لم تكن معروفة بهذه الصفة فذلك يحدث نظرا للخلط الذي يمكن أن نقع فيه بين المنهج التجريبي Méthode Expérimentale  .وبين التجريب.Expérimentation  وبالفعل،  فإن هذا الأخير تقريبا مستحيل في السوسيولوجيا. عادة ما نسمع الحديث عن "تجارب اجتماعية" Expériences sociales ، وهي بهذا المعنى تتمثل في ابتداعات المشرعين، وكل محاولات المصلحين. لكن هذه الأخيرة التي تجري فقط من أجل هدف عملي بعيدة كل البعد عن تقديم ضمانات التجربة النظرية، Expérience Théorique ، وتفرض النزاهة الفكرية ألا نستخرج منها أية خلاصة.

     وبالفعل فإن الظاهرة المدروسة هنا يتم عزلها عن الوسط الذي تنتج فيه إذ تنضاف نصوص تشريعية إلى تعديلات أخرى متعددة يمكن أن تنتج في نفس الوقت، وبالمثل، فإن تجارب المصلحين الاجتماعيين تختلط عموما بتأثيرات خارجية. هذه التجارب تستطيع على أكثر تقدير إثبات أن بعض المؤسسات وبعض الأنظمة ممكنة في شروط معينة، على أن من الخطأ الاعتقاد بأن المنهج التجريبي يفرض التجريب بالضرورة، ذلك أن التجريب ليس إلا نوعا من المقارنة إذ يرتكز على تنويع الحادثة التجريبية، أي إنتاجها في أشكال متنوعة تتم مقارنتها بصورة منهجية فيما بعد، في حين تتوفر السوسيولوجيا على أداة خصبة جدا لإجراء المقارنات، وهي: التاريخ.

   إن التاريخ ليس فقط وسيلة للبحث أو التحقيق يسمح للسوسيولوجيا بتوسيع بحوثها ما وراء الحاضر، بل هو أيضا بالنسبة إليها أداة للتحليل ووسيلة للتفسير.

     إن التاريخ وحده يسمح لنا بمعالجة المؤسسة في عناصرها المكونة لها مادام أنه يظهرها لنا في الزمن الواحد بعد الآخر. ومن ناحية أخرى بموضعة كل عنصر ضمن مجموع الشروط التي نشأ فيها.

      يعطينا التاريخ الوسيلة الوحيدة لتحديد الأسباب التي أظهرته، لكن لكي يمنحنا التاريخ مثل هذه الخدمات يجب أن يعالج من طرف عالم الاجتماع من وجهة نظر مختلفة عن تلك التي توجد عند المؤرخ، فما ينبغي على عالم الاجتماع أن يطبقه هنا هو التاريخ المقارن L’histoire comparée كتب دوركايم في هذا الصدد: "إننا لا نملك إلا طريقة واحدة للبرهنة على وجود ارتباط سببي بين حادثتين: وهي أن نقارن بين الحالات التي تحضران فيها أو تغيبان عنها بشكل متزامن والبحث فيما إذا كانت التنويعات التي تمثلانها في مختلف تركيبات شروطها تشهد على أن إحداهما مرتهنة بالأخرى ومتوقفة عليها... لن يستطيع عالم الاجتماع إذن أن يأخذ الاعتبار من شعب واحد ولا أيضا من حقبة وحيدة لكن يجب عليه مقارنة مجتمعات ذات نمط واحد ومن أنماط مختلفة من أجل أن تسمح التغيرات أو التنويعات التي تمثلها المؤسسة والممارسة التي يريد أن يأخذها في الاعتبار،المرتبطة بالتغييرات التي تستنتج بشكل متوازن في الوسط الاجتماعي وفي حالة الأفكار وإلى غير ذلك، بأن نضع بينها بعض الروابط السببية ("المنهج في العلوم" الجزء الأول ص: 330).

     إن التاريخ لا يكفي لإعادة رسم النشأة الكاملة للمؤسسات: فهو لا يسمح بالصعود إلى غاية الأشكال البدائية لهذه الأخيرة، وهي المؤسسات التي تعتبر أسبابها بالتدقيق فاعلة أو مؤثرة، أي الأسباب التي أظهرت الحوادث التي نسعى إلى تفسيرها. إن تاريخ الأصول والأركيولوجيا ما قبل التاريخية يستطيعان أن يحملا بعض الإشارات، لكن إشارات الأول لا يقينية بينما إشارات الثانية تجزيئية جدا.

     هناك مصدر للمعرفة قادر على سد هذه الثغرة: إنه الإتنوغرافيا Ethnographie وهي الدراسة الوضعية للمجموعات البشرية. فهي تجعلنا نعرف بعض الشعوب مثل التي تعيش في وسط أستراليا والتي يمكن تصنيفها بالبدائية بالمعنى الذي تعد فيه الحياة الاجتماعية فيها بوصفها الأكثر بساطة.فهذه الدراسة للمجتمعات الدنيا تحقق هي الأخرى تحليلات حقيقية للظواهر.

وأخيرا فإن الإحصاء La statistique يعد من الفروع المساعدة الأكثر بالنسبة لعالم الاجتماع. فهو قد يبحث مثلا في: "كيف يتنوع تردد جرائم القتل، الزواج والطلاق تبعا للمجتمعات وبحسب المعتقدات الدينية، وبحسب المهن Les professions إلخ..." إن هذا المنهج خصب بصورة مميزة حينما يتجه إلى ملاحظة المراحل الانتقالية، التحولات السريعة والأزمة حينئذ يمكن لنا أن نرى أسباب الظواهر بنوع من التجسيم.إن الإحصاء يستعين هو الآخر بالتمثيلات المتباينة Les représentations graphique : ذلك أن مبيانا موضوعا بصورة جيدة يكفي في الغالب من أجل إثبات حقيقة عن علاقة هامة.

 خلاصة:

    سواء إعتمد عالم الاجتماع على المنهج المقارن، التاريخ، الإثنوغرافيا أو الاحصاء، فهي كلها أدوات المنهج السوسيولوجي بإمتياز. وهذا المنهج، بمختلف أشكاله، ليس إلا تطبيقا لطريقة التبدلات المتزامنة، التي تعد كأسلوب أساسي للمنهج التجريبي

    وعلم الاجتماع إذن ليس في حالة دنيا بالقياس إلى سائر العلوم الأخرى. إن غنى التبدلات التي يمنحها التاريخ هي التي تحد من عدم يقينية النتائج في هذا العلم، والمؤرخون أنفسهم يعترفون بأن "العموميات في التاريخ تمنح عادة حقيقة ويقينا اكبر بالمقارنة مع التفاصيل" حتى ولو كانت توجد في أساسها، في حين أن العموميات تدخل ضمن ميدان السوسيولوجيا. وتسمح الإتنولوجيا للعلم السوسيولوجي بمتابعة المقارنات ابتداء من الحالات الأكثر بساطة. وأخيرا يعطي الإحصاء لعلم الاجتماع صرامة التدقيقات الكمية.

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت