العلامة

ترجمة محمد الخشين و آخرين

 

العلامة[i]

 إن العلامة مفهوم أساسي لكل علم للغة، لكن ، بسبب هذه الأهمية نفسها فإنه الأكثر صعوبة للتعريف. تزداد هذه الصعوبة مع محاولتنا، في النظريات الحديثة حول العلامة، أن نأخذ في الاعتبار ليس فقط الكيانات اللسانية وحدها، وإنما أيضا العلامات غير الفعلية.

تنكشف التعريفات الكلاسكية حول العلامة في الغالب بوصفها اختبارا متأنيا أو أيضا طوطولوجيا أو هي عاجزة كذلك عن التحكم في المفهوم في خصوصيته الخاصة. إذ يطرح بأن كل العلامات توجه بالضرورة إلى علاقة بين عنصرين متعارضين Relata[ii] عن طريق تمييز الدلالة مع العلاقة بكل بساطة،فإننا لا نستطيع أبدا أن نميز بين تصميمين هما مع ذلك مختلفين بقوة: فمن ناحية، ترتبط العلامة "أم" ضرورة بالعلامة "طفل"، و من ناحية أخرى ما تعنيه "أم" هو "الأم" و ليس "الطفل".

يقترح القديس أغسطين في نظرية من بين النظريات الأولى حول العلامة: "إن العلامة هي الشيء الذي يعد أيضا مضمرا بواسطة المعاني،تستدعي بذاتها إلى الفكر شيئا آخر." لكن أن نستدعي (أو "نثير" ) مقولة هي في نفس الوقت قريبة جدا وجد واسعة: إننا نفترض فيها من جهة، بأن المعنى يوجد خارج العلامة (لكي نستطيع أن نستحضره)، ومن جهة أخرى فإن إثارة شيء بواسطة شيء آخر يتموضع دائما في نفس التصميم: في حين يمكن لصفارة إنذار أن تدل على بداية القصف وأن تعلن الحرب,و خوف السكان إلخ. هل  نقول بأن العلامة شيء نستطيع به تعويض شيء آخر؟ سوف يكون تعويضا خاصا جدا، وممكنا في الواقع لا بهذا المعنى أو ذاك: لا "المعنى" و لا "المرجع" (أو السياق)، بوصفهما كذلك، بإمكانهما اختراق داخل الجملة، و احتلال مكان "الكلمة".  لقد فهم "سويفت"[iii] ذلك جيدا، والذي بعد أن افترض بأننا نحمل معنى الأشياء التي نريد التحدث عنها (مادام أن الكلمات ليست سوى بدائل)، كان يجب أن يصل إلى هذه الخلاصة: "إذا كانت انشغالات إنسان معين هامة، و متنوعة الأشكال، أصبح ملزما بالقياس إلى ذلك، أن يحمل على ظهره صندوقا كبيرا جدا من الأشياء" _ مع احتمال أن ينسحق تحت وطأة وزنها الثقيل.

سنعرف إذن، بحذر، العلامة ككيان يمكن: 1- أن يصبح قابلا لأن يكون محسوسا. 2- أن يتسم بنقص بذاته بالنسبة لجماعة محددة من المستعملين. الجزء من العلامة الذي يمكن أن يصبح محسوسا يسمى، منذ سوسير[iv] الدال Signifiant،الجزء الغائب المدلول signifié، و العلاقة التي تربط بينهما، الدلالة، لنشرح هذه العناصر الموجودة في هذا التعريف واحدا بعد الآخر.

توجد العلامة، بكل يقين، دون أن تكون مدركة. لنفكر في كل كلمات اللسان الفرنسي، في لحظة محددة من الزمان: فهي لا تملك أي وجود قابل لأن يكون مدركا. غير أن هذا الإدراك يظل دائما ممكنا. يقترح أحدهم هو بورك Burke[v] أن نقلب نظام الدلالة و أن نعتبر الأشياء كعلامات للكلمات (للأفكار)، لكن هذا التصور ما وراء الأفلاطوني يفترض دائما بأن الدال يمكن أن يصبح مدركا. ليست هذه الخاصية متناقضة، كيفما كان الحال، مع وجود فونيم Phonéme "وراء" الأصوات أو الحروف "ماوراء" الرسائل.

العلامة تكون دوما مؤسسية Institutionnel :وبهذا المعنى لا توجد إلا بالنسبة لجماعة محدودة من المستعملين. هذه الجماعة يمكن أن تختزل في شخص واحد (مثل العقدة التي أحدثتها في منديلي) لكن خارج مجتمع ما، مهما كانت مختزلة، لا توجد علامات على الإطلاق ليس صحيحا القول بأن الدخان علامة "طبيعية" للنار، إنه نتيجة لها، أو أنه أحد أجزائها. وحدها جماعة المستعملين تستطيع أن تؤسسه في العلامة.

إن النقطة الأكثر إثارة للنزاع في النظرية، تتعلق بطبيعة المدلول، قد حددناها هنا كنقص، غياب للموضوع المدرك، الذي يصبح على هذا النحو دالا. هذا الغياب معادل إذن للجزء غير المحسوس، فمن يقول العلامة يجب أن يقبل وجود اختلاف جذري بين الدال و المدلول، بين المحسوس و اللامحسوس، بين الحضور و الغياب، إننا نقول بصورة طوطولوجية، بأن المدلول لا يوجد خارج علاقته مع الدال لا قبل، لا بعد، لا خارج، إنه الفعل نفسه الذي يصنع الدال و المدلول، المفهومان اللذان لا نستطيع أن نفكر في أحدهما بدون الآخر. إن دّالا ما بدون مدلول هو مجرد موضوع، إنه موجود لكن لا يدل على أي شيء، و مدلولا ما بدون دال غير قابل للوصف، غير قابل لأن يفكر فيه، و حتى غير موجود.

إن علاقة الدلالة، بمعنى ما، ضد التطابق مع ذاتها، فالعلامة في ذات الوقت إشارة و نقص: فهي أصليا مزدوجة.

يجب أن نأخذ بعين الاعتبار مظهرين تكميليين لكل مدلول. الأول، بشكل ما عمودي، ينكشف لنا في العلاقة الضرورية التي يدخل فيها مع الدال، هذه العلاقة تطبع مكان المدلول، لكنها لا تسمح لنا بأن نميزه بصورة إيجابية، إنه ما ينقص الدال.

الثاني، الذي نود أن نمثله بشكل أفقي يرتكز على الإرتباط بين هذا المدلول مع كل المدلولات الأخرى، داخل نسق من العلامات. هذا التحديد هو أيضا "سلبي" (كما قال سوسير) لأنه يقودها إلى أن "تكون ما لا تكونه الأخريات" و سيكون من باب الدقة أن نسميه "العلائقي"، لكنه يتشكل داخل متوالية، مؤسسة عن طريق مجموع المدلولات المشكّلة لنسق (فنحن لا نفسر طبيعة هذه المتوالية بأن نشير إليها عن طريق أسماء مثل "الفكر"، "المفاهيم"، "الماهية" إلخ: و هو ما لم ينقص، مع ذلك، عددا من الفلاسفة و علماء النفس أن يفعلوه.

 في حالة ما مثل أية حالة أخرى، فنحن نقترب من المدلول بواسطة الدال: هنا الصعوبة القصوى لكل خطاب حول العلامة:فالمعنى ليس أي جوهر كيفما كان نستطيع أن نعالجه بصفة منفصلة عن العلامات حيث نضبطه، فهو لا يوجد إلا عن طريق العلاقات التي يشارك فيها.

حوالي العلامة

هذا التعريف "الضيق" للعلامة يفرض إدخال مفاهيم أخرى لوصف العلاقات المشابهة لكن المختلفة، التي تتداخل بصورة عادية تحت إسم "الدلالة" أو إسم "العلامة". هكذا، نميز بعناية (كما فعل جل منظري العلامة) الدلالة عن الوظيفة المرجعية (المسماة أحيانا بالمعنى). إن المعنى ينتج ليس بين الدال و المدلول، لكن بين العلامة و المرجع (السياق)، أي، في الحالة الأكثر يسرا على التخيل، الموضوع الواقعي: فليست السلسلة الصوتية أو الخطية "تفاحة" هي  التي ترتبط بمعنى التفاحة، لكن كلمة "التفاحة" (أي العلامة ذاتها) في علاقتها بالتفاحات الواقعية هي التي ترتبط بالمعنى . يجب أن نضيف بأن علاقة الدلالة  أو المعنى ترتبط من جهة بعلامات إتفاقية Signes-occurences و ليس بعلامات نمطية Signes-types .و من جهة ثانية فهي أقل بكثير من أن تكون عادية بشكل لا يصدق: إذ نتكلم عن الأشياء في غيابها بدل حضورها، و في نفس الوقت من الصعب أن نتصور ما هو المرجع بالنسبة لمعظم العلامات. و قد ألح كل من بيريس و سوسير على الدور الهامشي للمعنى في تعريف العلامات.

يجب كذلك تمييز دلالة التمثل، الذي هو ظهور صورة ذهنية عند مستعمل العلامات. تتوقف هذه الدلالة على درجة التجريد التي تنطوي عليها الطبقات المختلفة للمعجم. ضمن منظور أجزاء الخطاب، يحدث هذا التدرج ابتداءا من أسماء الأعلام إلى غاية الحروف، حروف العطف و الضمائر. من وجهة نظر سيمانطيقية، يمكن بصفة مماثلة ملاحظة درجات متنوعة للتجريد. يستعمل التخيل Fiction كثيرا الخاصيات التمثيلية  للكلمات و أحد مثلها كان لمدة طويلة يمثل الدرجة القصوى "للإستحضار"، و من هنا جاءت عادة الكلام عن الأدب بعبارات من قبيل "المناخ"، "الفعل"، "الحوادث" إلخ.

هذه التعارضات كانت قد التقطت من قبل الرواقيين الذين ميزوا بين ثلاث علاقات للجزء القابل للإدراك من العلامة مع "الشيء الواقعي" (المعنى)، "الصورة النفسية" (التمثل) و "القابل للوصف" (الدلالة). و بالفعل، فإن المعنى و التمثل حالاتان خاصتان لاستعمال عام أكثر فأكثر للعلامة، يمكن أن نسميه الترميز Symbolisation,معارضين على هذا النحو  العلامة مع الرمز (عالج "هيلمسليف Hgelemslev " ظواهر متجاورة تحت إسم المفهوم (المعلوم Connotation)، لكن هذا اللفظ يؤخذ عادة بمعنى ضيق. إن الترميز هو اجتماع قار قليلا أو كثيرا بين وحدتين من نفس المستوى (أي دالان أو مدلولان). تدل كلمة اللهب على لهب لكنها ترمز في بعض الأعمال الأدبية إلى الحب، و عبارة "أنت رفيقي" تدل على معنى: أنت رفيقي لكنها ترمز إلى الألفة إلخ. إن العلاقات التي تنشأ في هذه الحالات الأخيرة ذات خصوصية كافية لكي يكون من الأفضل أن نعطيها أسماء متميزة.

إن الدليل العملي الذي يسمح بالتمييز بين علامة ما و رمز ما هو اختبار عنصرين في علاقة مع بعضهما. في العلامة هذان العنصران هما بالضرورة من طبيعة مختلفة، و في الرمز كما رأينا ذلك منذ قليل، ينبغي أن يكونا متجانسين. هذا التعارض يتيح إلقاء الضوء على مشكلة اعتباطية العلامة، التي أصبحت موضة في اللسانيات مع سوسير.

إن العلاقة بين دال معين و مدلول ما هي بالضرورة بدون علة، الإثنان من طبيعة مختلفة و من اللامفكر فيه أن تشبه المتتالية من الحروف أو الأصوات معنى ما.

 

و في نفس الوقت هذه العلاقة ضرورية، بالمعنى الذي لا يستطيع فيه المدلول أن يوجد بدون دال، و العكس صحيح أيضا. و بالمقابل، في الرمز ليست العلاقة بين "الرامز" Symbolisant أو "المرموز إليه" Symbolisé ضرورية (أو "اعتباطية" ) مادام أن "الرامز" و أحيانا "المرموز إليه" (المدلولان لهب و حب) يوجدان بصفة منفصلة أحدهما عن الآخر. و لهذا السبب نفسه، لا يمكن للعلاقة أن تكون إلا معللة، و بكيفية   أخرى لا شيء يدفع إلى إنشائها. هذه العلل تصنف عادة بحسب مجموعتين كبيرتين وفقا للتصنيف السيكولوجي للترابطات: التشابه والتجاوز (نقول أحيانا أيقونة Icône و مؤشرا Indice ، لكن بمعنى مختلف للألفاظ عن ذلك الذي أعطي لها من قبل بيريس Ch.s.Peirce.( لنضف بأن كل شيء، مثل رابطة الترميز Symbolisation،وهي الرابطة التي تنشأ بين العلامة و المرجع، بين العلامة  والتمثل، يمكن أن يكون معللا. هناك تشابه بين الصوتين Sons "كوكو" Coucou و تغريد العصفور (المرجع أو التمثل السمعي)، مثلما هو بين المعنيين اللهب و الحب. لكن يمكن أن توجد رابطة علية بين الصوت "كوكو" و بين معنى كوكو، بين كلمة "لهب" و بين معنى اللهب. إن تعلم الدلالة لا يتأسس إذن على روابط التشابه، التشارك، إلخ: فالروابط التي تنطوي على هذه الطبيعة لا يمكن أن توجد بين الدوال و المدلولات. يجب أن نسجل بأن التواصل الفعلي يرتكز على استعمال الرموز أكثر من استخدام العلامات.

و في الأخير يجب تمييز العلامة عن علامات مجاورة أقل قربا، و قد كان لدى اللسانيين الأمريكيين من مدرسة بلومفيلد ميل إلى اختزال العلامة إلى مجرد إشارة Signal . تثير الإشارة نوعا من رد الفعل لكنها لا تتضمن أية علاقة للدلالة. يختزل التواصل بين الحيوانات عادة إلى إشارات، لكن داخل اللغة الإنسانية،  يمكن للصيغة الأمرية أن تشتغل بطريقة الإشارة: لكن قد تفهم الجملة " أقفل الباب" بدون أن ينجز الفعل المشار إليه، فالعلامة أنجزت العملية و ليست الإشارة.

إن التمييز الذي يتسم بكونه نافعا يبدو إشكاليا: هو ذلك الذي يوجد بين العلامة  والعرضSymptôme  أو العلامة الطبيعية. العرض هو، في الحقيقة، علامة تشكل جزءا مؤسسا للمرجع، مثل الحمى التي هي عرض للمرض. و بالفعل، ليست العلاقة الموصوفة هنا من نمط الدال - المدلول (المرض كحادث واقعي، ليس معنا بالمعنى الدقيق للكلمة) لكنها من نمط العلامة-المرجع (أو التمثل). و فضلا عن ذلك يبدو بأن هذه العلامات الطبيعية نفسها (و من ثم الكونية) هي أقل من ذلك أكثر مما نعتقد: فالسعال لا يتم بنفس الطريقة في فرنسا و نيوزيلاندا. العلامة تكون دائما مواضعاتية Couventionnel.

العلامة الفعلية و العلامة اللا- فعلية

محددة بهذه الطريقة، ليست العلامة  بالضرورة لسانية: العلم، الصليب المعقوف رمز النازية، فعل ما،الإشارات الطرقية، هي أيضا علامات. يجب أن نبحث في خصوصية اللغة الفعلية خارج كل هذا.

تتميز هذه اللغة -اللغة- بادئ ذي بدء بطابعها النسقي. لا يمكن أن نتكلم عن اللغة إذا كنا لا نتوفر سوى على علامة معزولة. صحيح أن وجود علامة معزولة هو نفسه إشكالي: أولا تتعارض العلامة بالضرورة مع غيابها، و من جهة أخرى فنحن نضعها دوما في علاقة (رغم أن ذلك ليس بشكل مؤسسي) مع علامات أخرى تماثلها: الصليب المعقوف رمز النازية مع النجمة، علم مع علم آخر إلخ، في كل مرة نفهم من اللغة ،عادة، نسقا معقدا.

ثانيا، تفترض اللغة الفعلية وجود دلالة بالمعنى الضيق المحدد أعلاه. إنها مماثلة ضبابية بما يكفي هي التي  تسمح لنا بالكلام عن "اللغة" في حالة نسق رمزي آخر.

ثالثا، اللغة الفعلية هي الوحيدة التي تحمل بعض السمات ذات الخصوصية، التي يجب معرفتها، أ – يمكن استعمالها من أجل الحديث عن الألفاظ نفسها التي تكونها، و لسبب قوي جدا للحديث عن الأنساق الأخرى من العلامات، ب – يمكن إنتاج جمل ترفض هي الأخرى الدلالة كما ترفض التمثل: مثلا الأكاذيب، التلميحات،  وتكرار الجمل السابقة، ج - يمكن استعمال الكلمات بمعنى  غير معروف من قبل الجماعة اللسانية، و في الوقت نفسه يمكن أن تفهم بفضل السياق (مثلا استعمال الاستعارات الأصلية). و إذا سمينا الثانوية[vi] secondarité ما يسمح للغة الفعلية بتحقيق وظائفها، سوف نقول بأن الثانوية سمة مؤسسة.

تبدو الثانوية خاصية للغة الفعلية الإنسانية كاختلاف نوعي يفصلها عن كل الأنساق الأخرى المماثلة. حينما يحضر الشرطان الأولان  وحدهما، يمكن أن نتكلم عن نسق للعلامات، و ليس للغة. حينما يحضر الأول فحسب، سنتكلم عن السنن code (لهذا فإن النسق الموضوع موضع السؤال مماثل لنسق اللغة)، إن لفظ "السنن" يدل هنا على "نظام للإكراهات". هكذا تعد الموسيقى سننا: كل عناصر المؤلف (الأصوات المرتفعة،الثانوية كلها في علاقة مع بعضها البعض لكنها لا تدل  ، و لا تملك أيضا خاصية الثانوية . إن معظم الأنساق الدالة التي تحيط بنا متمازجة، فهي في نفس الوقت سنن، أنساق من العلامات و أنساق رمزية، لكن لا أحد من بينها يملك السمات الثلاث للغة كلها. في الأدب اللامع نجد بأن فرض سنن ثان في اللغة (من ذلك مثلا الإكراهات الصورية للشعر أو القصة)، و في نفس الوقت فإن الكلمات المستعملة هنا، و بالخصوص في العبارات المجازية رموز أكثر منها علامات .

بفعل انتمائها إلى نسق تكتسب العلامة أبعادا لا نستطيع أن نلاحظها حينما ننظر إليها بصفتها معزولة، فمن جهة أولى تدخل العلامة في روابط براديغمية مع علامات أخرى، يمكن أن نستنتج بأن علامتين محددتين متطابقتان أو مختلفتان، أو أن إحداهما متضمنة في الأخرى أو مستبعدة عنها، أو أن إحداهما ترفض أو تفترض الأخرى إلخ.، و هو ما يرجع بنا إلى القول بأن معجم لسان ما منظم و بأن علامات لسان ما يتحدد بعضها في ارتباط مع البعض الآخر. يرجع "بيريس" إلى هذه الخاصية للعلامات الفعلية تحت اصطلاح المؤول، أو يسميها "المعرفة النوعية"،  هذه العلاقات البراديغمية ،و هي تسمح بالتأويل، تشكل جزءا مما سماه "سوسير" قيمة و "هيلميسليف" صورة للمضمون. لنصطلح هنا على هذا المظهر للعلامة، مع "بنفينيست"التأويلية l’interprétance.

  لكن كما لاحظنا ذلك منذ وقت طويل هناك اختلاف بارز بين العلامة نفسها والإستعمال الفردي الذي نصنعه منها، هكذا يعارض "بيريس" بين العلامة – النمط و بين العلامة – الإتفاق (Type et token, ou legisign et sinsign) إن العدد الإجمالي لكلمات نص يعطينا عدد العلامات – الإتفاقية، و عدد الكلمات المختلفة، عدد العلامات – النمطية.

و في الأخير، بالدخول إلى الجملة تتعرض العلامة – الظهور لتعديلات داخلية: إذ يمكن أن تدخل في تركيبة مع بعض العلامات و ليس مع أخرى، فضلا عن ذلك فإن هذه التراكيب لها طبيعة مختلفة . يمكن أن نسمي هذا المظهر للعلامة، الذي يسمح لها بالدخول في الخطاب و التراكيب مع علامات أخرى، بالدلالية Signifiance.

لقد لاحظ "بنفينيست" بأن اللغة الفعلية وحدها التي تملك هذين المظهرين بشكل تزامني، ذلك أن العناصر المكونة للسنن الأخرى، مثلا، تمنح (صورة زائفة) من الناحية الدلالية: هكذا تتراكم المقامات الموسيقية بحسب بعض القواعد المحددة، لكنها لا تشكل أبدا براديغمات. و على العكس من ذلك فإن العناصر المكونة لأنساق العلامات الأخرى غير المنتسبة إلى اللغة الفعلية تدخل في علاقة تأويلية. لكنها غير دلالية: الأحمر و الأخضر لضوء إشارة المرور يتناوبان فيما بينهما دون أي ترابط حقيقة .سنجد هنا أيضا سمة خاصة للغة الفعلية الإنسانية.   

البيبليوغرافيا المعتمدة في هذا الفصل:

شارل ساندرس بيرس "اوراق مقتطفة"الجزء الثاني كامبد ريج1932   .

فيرديناند دي سوسير "دروس في اللسانيات العامة" باريس 1916       

بينيفيست "مشاكل اللسانيات العامة"باريس 1966

بورجود، بروكور، لوهمان "حول طبيعة العلامة" الفعل اللساني 1942_1943. 1، 24، 30.

جان بياجيه "تشكل الرمز لدى الطفل" باريس ، 1945.

برانج هانسن "نطريات معاصرة في طبيعة العلامة اللسانية" كوبنهاك، 1954

انجلز "نظرية ونقد لمبدأ سوسير "اعتباطية العلامة" جنيف، 1962

اورتيك "الخطاب والرمز"، باريس، 1962

بورك "اللسانيات الانثروبولوجية" .1962

'الرمز و الصورة حسب نظرية السنن" دفاتر عالمية للرمزية"  1963 يدلينا                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                         

رولان بارث "الدرجة الصفر في الكتابة" 1965 "عناصر في السيميولوجيا

جاك ديريدا "السيميولوجيا والغراماطولوجيا (علم الكابة) حول العلوم الاجتماعية 1968

تيزفيطان تودوروف " مقدمة في الرمزي" الشعرية 1972

ج. دوران : " الخيال الرمزي" باريس 1964

_ ش.س. بيرس: "أوراق مقتطفة" ، ج 2، كامبريدج، 1932

أ‌.        بنيفينيست: "سيميولوجيا اللغة"، سيميوطيقا، 1969. ص 2، 1، 12، 127، 135.

ف. ف. ايفانوف : " مقارنة اللغة مع غيرها من وسائل نقل المعلومة و تخزينها"

ل. كرين بيرك: " عالمية اللغة" كامبريدج، 1963.

أ. وينرايخ:"السيمانطيقيات و السيميوطيقيات"، الموسوعة العالمية للعلوم الإجتماعية، نيويورك، 1967. ص 138.

 tafalsouf.com   مع تحيات موقع تفلسف

 


_ هذان النصان (العلامة و أجزاء الخطاب) منشوران ضمن "القاموس الموسوعي لعلوم اللغة",[i]

   [ii]كلمة لاتينية.

[iii]  سويفت جوناثان (1745- 1667): كاتب و روائي انجليزي الأصل، عرف في ميدان الهجاء و الرسائل السياسية، من أهم أعماله "معركة الكتب" و "حكاية حوض" .(1667 ـ 1745)

[iv]  فردينان دي سوسير Ferdinand de Saussure: (1857-1913) عالم لغويات سويسري، يعتبر الأب و المؤسس لدرسة البنيوية في اللسانيات.

[v]  جيمز لي بورك: روائي أمريكي ولد في 1936 ، من أعماله: "يسوع يخرج إلى البحر" و "موسم الندم" و "السديم"

_ لقد ترجمنا هذه المصطلح بالثانوية، رغم اننا غير راضين بذلك. لأن هذه الكلمة تحيل الى ما يميز جوهر الجملة الفعلية، و من المفارق أن نسمي ما هو جوهري باسم "الثانوية". [vi]

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت

 

عودة إلى صفحة الترجمات

******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

*******