التسامح و فلسفة الغير

                                                                                                                                                              مصطفى بلحمر

                                                                                            


       ما أسعى إليه في هذه المداخلة إنما هو طرح تساؤل عن العلاقة الممكنة بين مفهومين صارا يشكلان اليوم أحد الانشغالات الرئيسة للفكر الفلسفي، أعني بهما مفهومي التسامح و الغير...

1-    لماذا التساؤل عن العلاقة بين التسامح و الغير؟

هناك ثلاثة دواعي، على الأقل، تجعل التساؤل عن العلاقة بين المفهومين، في ندوة كهذه، أمرا مبررا:

أ - يتمثل أولها فيما نلحظه من تلازم تاريخي بين المفهومين: لقد تبلور مفهوم التسامح كموضوع للتداول الفلسفي، على الأرجح، في فترة ما بين القرنين السادس عشر و السابع عشر الميلاديين في خضم الصراعات العقائدية بين الطوائف المسيحية في أوروبا، و في نفس الفترة تقريبا كانت أولى النظريات الفلسفية حول مسألة الغير تتشكل في الفلسفة الغربية (على كل حال هناك من يعتبر أن هذه النظريات تبدا مع ديكارت 1596- 1650 ) و بصورة عكسية نلاحظ، أيضا، و كما يذهب إلى ذلك جل الباحثين، أن مفهوم التسامح كفضيلة لم يرد له ذكر لا في محاورات أفلاطون و لا في الأخلاق إلى نيقوماخوس و هذا الغياب كان مقترنا ، أيضا، بغياب لمفهوم الغير عن التداول الفلسفي اليوناني...

ب- أما الداعي الثاني فيتجلى في أن ثمة تلازما منطقيا بين مفهومي التسامح و الغير، ذلك أننا إذا تجاوزنا اللوينات الدلالية التي كان مفهوم التسامح مسرحا لها طوال تاريخه، فلا شك أن هذا المفهوم سيحيل، في نهاية الأمر، على نوع من العلاقة مع الغير... و أن كل تفكير في التسامح سيفضي، حتما، إلى تبني موقف من الغير، و أن كل تفكير في الغير سيؤدي، احتمالا، إلى طرح التسامح كشكل من أشكال العلاقة معه...

- أما الداعي الثالث فيتمثل في أن التفكير في التسامح، في الغرب على الأقل، كان مشروطا باكتشاف الغيرية، و في هذا الصدد نجدا باحثا كإيف شارل زاركا Yves Charles Zarka، مثلا، في دراسته عن الأسس الفلسفية للتسامح يدافع عن أطروحة مفادها أن التأصيل النظري للتسامح في الغرب لم يكن ممكنا إلا ببلوغ الفكر الغربي درجة عالية من النقدية و هو ما تحقق، في نظره، بتوفر حدثين اثنين: أولهما الفصل بين السياسي و الديني (العلمانية؟)، و ثانيهما اكتشاف الغيرية على الصعيدين الداخلي (البروتستانت/المرتدون hérétiques) و الخارجي(هنود أمريكا). و إذا كان الربط بين العلمانية و التسامح قد أثار جدلا فكريا واسعا على اعتبار أنه يفضي إلى نفي التسامح عن الحضارات غير الغربية و خاصة منها الحضارة الإسلامية، فإن الشق الثاني الرابط بين الغيرية و التسامح، و هو الذي يعنينا في هذه المداخلة، كان مقبولا في عمومه و لم يكن مثار سجال كبير.

هناك ترابط تاريخي و منطقي، إذن، بين مفهومي التسامح و الغير، و لكن السؤال الذي نطرحه في هذه المداخلة هو : هل انعكس هذا الترابط في التناول الفلسفي للمفهومين، و إلى أي حد طرح الفلاسفة، فعلا، مبدأ التسامح كشكل من أشكال العلاقة الممكنة مع الغير، و هل تم أخذ البعد الغيري في التصورات الفلسفية عن التسامح؟

لن يكون بوسعي، بطبيعة الحال و مراعاة للزمن المخصص للمداخلة، سوى الاستحضار السريع لبعض المواقف الفلسفية في أفق تأسيس بعض الملاحظات و الخلاصات الأولية في الموضوع. و لتكن هذه المواقف لهيجل و سارتر فيما يتعلق بمفهوم الغير، و للوك و فولتير فبما يخص مفهوم التسامح آملا أن تسمح المناقشة التي يفترض أن تعقب هذه المداخلات و ربما المداخلات اللاحقة نفسها بتعميق الملاحظات و الخلاصات أو تدقيقها و تصويبها:

2-    مفهوم التسامح عند فلاسفة الغير:

هيجل ( 1770- 1831):

     يتناول هيجل، كما هو معلوم، مسألة العلاقة مع الغير، أساسا، في كتاب "فينومولوجيا الروح" أو "ظاهريات الفكر" كما يترجمه البعض phénoménologie de l’esprit و هو كتاب كان ألكسندر كوجيف في مدخله لقراءة هيجل قد نبه إلى خصوصيته و أهميته و ألمح إلى وجود نفحة وجودية فيه. في هذا الكتاب يتبلور تصور عن الغير ربما لأول مرة في تاريخ الفلسفة بمثل هذا الجلاء و الوضوح. يشير هيجل إلى أن الوعي في سعيه لأن يصبح وعيا بالذات يحتاج في مرحلة ما من التطور إلى وساطة الآخر و إلى تملك الأشياء التي تحيط به غير أنه لا يجد ضالته إلا في وعي مثله لكنه مغاير عنه فيدخل الوعي في صراع مع وعي آخر يسعى بدوره إلى أن يصبح وعيا بذاته، ذلك أن كل أنا، حسب هيجل، لا تحقق وعيها بذاتها إلا بوساطة الغير و في جدل معه. يجد كل من الأنا و الغير نفسيهما مضطرين للدخول في علاقة صراع من أجل نيل اعتراف كل منهما بالآخر، وهذه العلاقة المتناقضة هي ما يصطلح عليه، في فلسفة هيجل، ب "جدل العبد و السيد" dialectique du maître et de l’esclave، أو بجدل الاعتراف dialectique de la reconnaissance لأن الأمر يتعلق بصراع بين الرغبات من أجل إثبات الوجود الذي لن يتحقق إلا باعتراف من طرف الغير. علاقة الأنا بالغير كما يصورها هيجل هي علاقة صراع حقيقي بين وعيين يرغب كل منهما في السيادة التي لن تتحقق إلا بموت الوعي الآخر موتا رمزيا و الصراع لا بد أن يفضي إلى جعل أحد المتصارعين سيدا و الآخر عبدا. و حسب هيجل يصبح سيدا ذاك الذي يخاطر بحياته، و يصير عبدا من لم يجرؤ على المخاطرة ففضل الحرص على الحياة....
لا يتصور هيجل، إذن، العلاقة بالغير، خاصة، و الحياة الاجتماعية، عامة، إلا كصراع محتوم، و كتناقض و تناحر من أجل فرض الذات و تحقيق السيادة... إن منطق الفلسفة الهيجلية، إذن، يرفض كل فكرة عن التسامح، و بالفعل فإن هذا المصطلح لا يشكل جزءا من القاموس الهيجلي الذي يضم مفردات مغايرة كالصراع، و النفي، و السلب، و التناقض، و السيطرة... سواء تعلق الأمر بالمجال الفكري أو بالمجال الاجتماعي... إن الصراع عند هيجل يغدو مطلوبا لذاته لأنه يفضي إلى تحقيق نتائج إيجابية إن على مستوى الفكر أو المجتع... لقد دشن هيجل، بطرحه للصراع، الخطوة الأولى نحو التسامح لأن ما من تسامح ، كما يقول احد الباحثين، و إلا و يكون قبله تعصب أو صراع، غير أنه لم يذهب بهذه الخطوة إلى نهايتها...

يبدو مفهوم التسامح، إذن، غريبا عن منطق و مناخ الفلسفة الهيجلية لذا فهو لا يجد فيه حلا لمسألة العلاقة مع الغير. بل يجد حلا نسبيا في الشغل. فالشغل يمكن العبد من استعادة الحرية و ربما يفتح الطريق أمام الأنا و الغير للتحاور مجددا...

سارتر (1905- 1980):

     و استمرارا للتناول الهيجلي لمسألة الغير، من جهة و لكن أيضا اعتمادا على تفكير فلاسفة آخرين خاصة منهم هوسرل و هيدجر، (استمرارا لهؤلاء الفلاسفة و ربما ضدهم) يتوقف سارتر في "الوجود و العدم" كما في مؤلفات أخرى عند مسألة الغير مطولا فيحلل العلاقة التي تجمع بين الأنا و ذاك "الأنا الذي ليس أنا" على حد تعبيره و التي هي، كما عند هيجل، علاقة صراع conflit أو على الأصح مبارزة duel . فبقدر ما يكون كل من الأنا و الغير ضروريا للآخر على الصعيدين الوجودي و المعرفي بقدر ما تشكل هذه الوساطة، و كما يتجلى من تحليل سارتر للنظرة regard و الخجل honte، خطرا و تهديدا لأن كلا من الأنا و الغير يسعى إلى تكوين نفسه كذات عن طريق تحويل الآخر إلى موضوع...

يصطف سارتر، إذن، كما هيجل، في صف فلاسفة الصراع philosophes du conflit فلا يرى في الغير سوى جحيم يربك الذات بمجرد حضوره في عالمها و يجعلها تنطوي على نفسها. إن الصراع هو جوهر العلاقة بين الذات و الغير، كما يراها سارتر، هذا الصراع المستمر قد يتخذ أشكالا متباينة لكن أيا منها لا يتيح مخرجا للانفلات منه. غير أن سارتر و على خلاف، هيجل، لم يقف عند حدود الصراع بين الأنا و الغير بل سعى حثيثا إلى حله، و كان بإمكانه في هذا الإطار أن يفكر في التسامح كأحد الحلول الممكنة غير أن ذلك لم يحدث إذ أن المفاهيم التي يقترحها سارتر في محاولاته لرفع الصراع بين الأنا و الغير إنما تتمثل في الحب، و المازوخية، و اللامبالاة، و الرغبة، و السادية، و الكراهية.... و هي حلول تبوء جميعا، في نهاية الأمر، بالفشل ليبقى التناحر قائما بين الأنا و الغير إلى الأبد و ليصير كل تحاور بينهما، و بالأحرى كل تسامح بينهما، مستحيلا لأن العلاقة بين الأنا و الغير من وجهة نظر سارتر هي علاقة متناقضة في أساسها.

خلاصات 1 :

*
لم ينفتح فلاسفة الغير، هيجل و سارتر على الأقل، على مفهوم التسامح و هو ما يتعارض مع ما انطلقنا منه من تلازم بين المفهومين، و لعل أول ما يتبادر إلى الذهن أن سبب ذلك يعود لكون هذين الفيلسوفين إنما طرحا إشكالية الغير من زاوية ميتافزيقية، و الواقع أن صحة هذه الدعوى نسبية فحسب ذلك أن المنظور الجدلي الهيجلي يسري، كما هو معلوم، على كافة مظاهر الوجود و أن العقلي لديه واقعي كما الواقعي عقلي، و أن القراءات المتلاحقة لفلسفة هيجل بينت أن الإنسان الذي يتحدث عنه هيجل لم يكن ذلك الإنسان المثالي الذي صورته الماركسية فقط ، بل الإنسان العيني ، أيضا، في أبعاده الواقعية كافة سواء التاريخية منها، أو الاجتماعية، أو السياسية، أو التربوية، أو غيرها... و كذلك الشأن بالنسبة لسارتر الذي كان، أصلا، قد أسس فلسفة الغير انطلاقا من نقد النظريات السابقة في الموضوع و لعل أهم انتقاد و جهه إليها، و خاصة إلى هيدجر، أنها طرحت مفهوم الغير في تجريديته و لم تأخذ بعين الاعتبار حضوره الواقعي في عالم الأنا، و هو ما سيعمل سارتر على تلافيه لذا فهو عندما يتحدث عن الغير لا يعني مفهوما مجردا فحسب، بل، شخصا من لحم و دم ينتصب أمام الأنا و يستفزه بنظرته، ذلك ما يتجلى بوضوح في العديد من الروايات و المسرحيات التي ألفها الفيلسوف الفرنسي...

* إن السمة العامة للفلسفات التي تناولت مفهوم الغير إلى حدود سارتر لم تخرج عن الخط الذي دشنه هوبز و الذي لم يكن يرى من علاقة ممكنة، بل و من علاقة طبيعية (بالمعنى الفلسفي لكلمة طبيعة)، بين الأنا و الغير سوى علاقة homo homini lupus (العبارة تعود في الأصل إلى الشاعر والمؤلف المسرحي اللاتيني بلوت 254-184 av. J.-C Plaute و قد نقلها هوبس و أعاد توظيفها) لذا لم يكن ممكنا في ظل شروط كهذه طرح مبدأ التسامح.

* لعلنا نرجح أكثر أن يكون عدم استحضار بعد التسامح من طرف هيجل و سارتر راجعا، من جهة أولى، إلى غياب نظرية أخلاقية متكاملة عند الفيلسوفين لقد سجل الأستاذ عبد الرحمان بدوي، بحق، أن فلسفة الأخلاق هي أضعف ما في فلسفة هيجل، و أعتقد أن مثل هذا الحكم يسري، كذلك ، على سارتر... فلطالما و عد فيلسوف فرنسا بتأليف كتاب عن الأخلاق يحل فيه مختلف الإشكالات الفلسفية التي ظلت معلقة في "الوجود و العدم" غير أن هذا الكتاب الموعود، و كما هو معلوم، لم ير النور أبدا..

* و من جهة ثانية، فإن مفهوم التسامح نفسه و إلى غاية منتصف القرن الماضي لم يكن قد اكتسى بعد المضمون الإيجابي الذي له اليوم لذا لم تكن له نفس قوة الجذب في أوساط الفلاسفة...

* و ربما كانمن المفيد كذلك، في تفسير غياب التسامح لدى هيجل و سارتر، الإشارة إلى أن الفيلسوفين لم يعايشا عن قرب، على ما يبدو، صراعات دينية كبرى.

3- مفهوم الغير عند فلاسفة التسامح:

لوك (1632- 1704) :

هذا فيما يتعلق بمفهوم الغير، أما ما يخص مفهوم التسامح فالملاحظ، و سواء تعلق الأمر بلوك أو بفولتير، أن إثارتهما للموضوع ارتبط بصورة مباشرة بالصراع العقائدي المسيحي و ما ترتب عنه من أحداث دموية:

     لقد جاء تأليف "الرسالة في التسامح" lettre sur la tolérance ، كما هو معلوم، في خضم الظروف السياسية الحرجة التي كانت إنجلترا تعيشها في القرن السابع عشر الميلادي و التي كان لها انعكاس مباشر على جون لوك نفسه كما على الكونت شافتسبري shaftesbury الذي طلب من لوك تأليف رسالته تلك.

     لقد بسط الفيلسوف الإنجليزي في الرسالة الخطوط العريضة لتصوره عن التسامح، و هو تصور يقوم، إجمالا، على فكرة أن التسامح ضروري بحجتين:

أولاهما أخلاقية تتمثل في أن التدين اعتقاد حر و اقتناع فردي لا إكراه فيه و من ثم وجب ضمان حرية المعتقد للجميع و التسامح مع كل الملل فلا حق لا للدولة و لا للكنيسة في إجبار احد على إتباع عقيدة بعينها...

و ثانيتهما معرفية مؤداها أن المعرفة محدودة و نسبية و احتمال الخطأ فيها وارد و ثم من وجب التسامح مع مختلف المعتقدات.

    أما تأليف فولتير لكتاب "البحث في التسامح" Traité sur la tolérance فقد ارتبط مباشرة بقضية كالاس l’affaire Calas و هي قضية خطا قضائي ذهب ضحيته جان كالاس بعد اغتيال ابنه في تولوز سنة 1762 بسبب لا تسامح الكاثوليك مع البروتستانت، لقد جعل فولتير من قضية كالاس قضيته، و راح يكشف عن الأخطاء التي تم ارتكابها في حق الضحية، كما جعل من القضية منطلقا للتنديد بالتعصب و الدعوة إلى التسامح.

هذه الدعوة التي تقوم إجمالا على الأسس التالية:

إن التسامح خاصية الإنسانية و ضرورة طبيعية، و من لا يحمل هذه الصفة لا يكاد يكون إنسانا بل هو أقرب إلى المتوحش.

إن الإنسان معرض باستمرار للخطأ لذا يتعين أن يكون لديه استعداد دائم للصفح عن الأخطاء و التسامح مع المخطئين.

إن التسامح هو الوسيلة الوحيدة لتجاوز التعصب الديني و حل مشكلة تعدد الملل و المذاهب داخل الكنيسة المسيحية.

إن التسامح يعكس الروح الفلسفية التي تمنح للنفس السكينة و الطمأنينة.

خلاصات 2 :
-
نلاحظ، إذن، غياب انفتاح على مفهوم الغير عند لوك كما عند فولتير، صحيح أن فولتير، خصوصا، لم سجين قضية كالاس بل اتخذ منها منطلقا للدفاع عن التسامح الديني و الحرية و معاداة التعصب، حيث ظل دفاعه ذاك من أهم النقاط المشرقة التي احتفظ بها تاريخ الفلسفة لهذا الفيلسوف. غير أن ذلك الدفاع المستميت لا ينفي عنه، أبدا، كما عن لوك، أن موقفهما من التسامح يدخل في نطاق ما يسميه جون هرمان راندال بالتسامح كحل طارئ تمييزا له عن التسامح كمبدأ. و ذلك لاعتبارات عدة:

- إن كتابات لوك و فولتير برمتها ظلت رهينة أحداث ظرفية محددة ، لقد كتب لوك أربع رسائل في الموضوع كانت أولاها، كما أسلفنا، تحت الطلب و جاءت باقي الرسائل، في مجملها، جوابا على انتقادات لمضامين الرسالة الأولى خاصة من طرف جوناس بروست Jonas Proast و هذه الرسائل عموما لم تنفصل عن ظروف الاضطهاد التي عاشها لوك. و ظلت كتابات فولتير نفسها مناسباتية تنتظر وقوع أحداث معينة من إعدامات و محكمات حتى تظهر ...

-
إن مفهوم التسامح لدى لوك و فولتير ظل محصورا بفئات معينة دون سواها، فتسامح لوك لم يكن ليشمل الملحدين و لا حتى بعض الكاثوليك أنفسهم و تسامح فولتير – كما يذكر راندال مرة أخرى- مع البروتستانت لم يكن ليدفعه إلى حد المطالبة بمساواتهم مع الكاثوليك ، هذا فضلا عن إصراره على حصر الوظائف العامة و المراتب الرفيعة في من يؤمنون بدين الدولة، و تذبذب مواقفه بشأن اليهودية و الإسلام.

- سواء تعلق الأمر بلوك أو فولتير لا نجد أن مفهوم التسامح قد تبلور في نطاق منظور أخلاقي ينطلق من هذا المفهوم كقيمة عليا و لا في انفتاح على الغير بما هو ذات و وعي و حرية، بل إن ألأمر، ربما يتعلق لدى هذين الفليلسوفين، بتفكير أكثر في مبررات التعصب و لا عقلانيته أكثر منه في التسامح بحد ذاته، و هو تفكير مشروط بالظروف و الملابسات التي عايشاها.

خلاصات عامة:

* نخلص مما تقدم إلى نتيجة أن الميلاد المتزامن للتسامح و الغير في الفكر الغربي لم يترتب عنه ربط بين المفهومين سواء في بناء نظريات الغير أو في التفكير في التسامح. ذلك أن التفكير الفلسفي في الغير تطور بشكل مواز لكن منعزل و مستقل عن تطور التفكير الفلسفي في التسامح.

*
إن حقيقة هذا الإنفصال في تداول المفهومين هو ما نكتشفه عندما نفتح أية موسوعة فلسفية من مدخل الغير أو الغيرية فنجد أسماء كهيجل و سارتر و لفيناس، و ما إليها... و عندما نفتح الموسوعات نفسها من مدخل التسامح نجد أسماء مغايرة تماما كبايل، و لوك، و فولتير، و ستوارت مل، و ما إلى ذلك...

* أزعم أن تطور التفكير في مسألة الغير كان محكوما بالنمو الذاتي للفكر الفلسفي، فقد نجمت نظريات الغير عن تقدم الطرح الفلسفي لإشكالات الوجود، و المعرفة، و الإنسان، و الوعي، والهوية، و الحرية، و ما إلى ذلك... أما موضوع التسامح فقد كان دائما، و كما يقول Valentine Zuber ، مرتبطا بأحداث خارجة تلقي به إلى دائرة النقاش الفلسفي و ذلك كمحاكمة كالاس أو إعدام Miguel Servet أو تخليد ذكراهما، - و نضيف- أو مجابهة نظرية صراع الحضارات، أو التنديد بالإرهاب أو ما شابه...

* بالنظر إلى هذا الارتباط الوثيق بين التسامح و أحداث معينة، غالبا ما تكون سياسية، فإن التناول الفلسفي للمفهوم، و على خلاف مسألة الغير، لم يكن يخلو من طابع إيديولوجي، لقد أشار Ghislain Waterlot في مقال مشهور بمجلة esprit إلى الارتباط الإيديولوجي بين نظرية التسامح الفولتيرية و توجهات الليبرالية و الميركانتيلية و البيروقراطية الناشئة في أوروبا آنذاك مما ترتب عنه عنف حقيقي ضد فئات عريضة من المواطنين عنف يسميه هذا الباحث "بتعصب التسامح" (عنوان المقال voltaire ou le fanatisme de la tolérance) ، و يذهب Bernard guillemin إلى أن أحد أهداف نظريات التسامح بما فيها التنويرية كان هو الحفاظ على وحدة الدولة مهما كانت طبيعة الانقسامات الطائفية الدينية، و تلاحظ Madeleine Rebérioux بنباهة إلى أن الكتابات الفرنسية حول فلسفة الأنوار التي واكبت حرب الجزائر كثيرا ما أغفلت الوقوف على مسألة التسامح في تلك الفلسفة.

*
إن ربطا حقيقيا بين مفهومي التسامح و الغير كمفهومين متكاملين لا يمكن أن يتم إلا في نطاق فلسفة أخلاقية تأخذ بعين الاعتبار التراكم النظري بصدد مسألة الغير باعتباره شخصا ذا و عي و كرامة و استقلالية، سواء كان هذا الغير داخليا أو خارجيا، فردا أو جماعة ... و تتحرر من المضامين الإيديولوجية التي طبعت مفهوم التسامح منذ نشأته فتنفتح على المضامين الإيجابية للمفهوم التي نجمت، من غير شك. عن النضالات الحقوقية في الآونة الأخير و ذلك من قبيل معاني الاختلاف، و الاحترام، و التواصل، و التنوع، و ما إليها، و لا شك أن هذا المنظور الأخلاقي لم تشهده لا فلسفة هيجل و سارتر و لا حتى فلسفة لوك و فولتير، و لعله يكون قد تأسس في بعض الفلسفات الأخلاقية المعاصرة مع نهاية القرن الماضي أو مطلع القرن الجديد...

-----------------------

⃰  مداخلة ألقيت في ندوة عن الفلسفة و التسامح.          

  *******************

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

**

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت