درس الفلسفة بين حضور الديداكتيك و غيابها

علاء عمر النجار                                                                                             

 

 

الموضوع الذي سنتطرق له في هذه المقالة، حاولنا ما أمكن التخفف فيه من إلزامات الإحالة والمعرفة الأكاديمية، ليكون في روح ما أُريد له أن يكون، أي أن يكون مفتوحاً على أفق حر، لا نزعم فيه أننا ندعي لأنفسنا طابعا مطلقا من الصواب، أو صفة خالصة من الأحقية؛ فلا وجود لهذا، خاصة في المواضيع الإشكالية التي نحاول هَهنا البسط لواحد منها؛ يتعلق الأمر بالإشكالية التي تهتم بمسألة "تبليغ الفلسفة وإيصالها إلى المتلقي"، أي الإشكالية التي تناقش مدى قابلية الفلسفة للتعلّم: هل ذاك ممكن عمليا أم أن الطرح مجرد زوغ عن حقيقة الوضع الحيوي للفلسفة؟ هذا الموضوع هو الذي سيكون مادة هذه المقالة.

لنبدأ بطرح سؤال من هذا النوع: هل كل أستاذ فلسفة 'فيلسوف'؟ وهل كل فيلسوف بإمكانه أن يصير 'مدرّس' فلسفة؟ بالنسبة للمتلقي السلبي غير المدقّق في الأسئلة ومتضمناتها والافتراضات التي تنطوي عليها، قد يبدو هذا السؤال غريبا وشاذا، بل قد يكون هو نفسه موضع مساءلة: إذ كيف يمكن أن نشك في أن أستاذ الفلسفة فيلسوف حقا؟ ثم من أين أتتنا هذه الجرأة الأدبية التي جعلتنا لا نستيقن أن الفيلسوف بإمكانه بكل بساطة –إذا أراد-أن يكون مدرسا للفلسفة أستاذاً فيها؟! في الواقع، ليست الأمور بهذه البساطة، ولعل السهولة هنا مفترضة ذهنيا فقط، لأن وقائع الأمور أعقد بكثير؛ فليس ثمة من ضامن يمكن أن يجعل مدرّس الفلسفة فيلسوفا، لأن هذه الأخيرة صفة ليس من شروط تحققها أن تكون ممتلكا لوظيفة المدرس، حتى لو كانت مادة التدريس نفسها هي الفلسفة، كما أنه ليس كل أساتذة الفلسفة يعتنقون روح الفلسفة ويهتدون بهديها، أو يعتبرونها رسالة أفلاطونية لا بد من تأديتها؛ فكثيرون لا ينظرون لها إلا كوظيفة يجدون فيها مصدر قوتهم وتعينهم على مشاق الحياة. من الجهة المقابلة، الفلاسفة ليسوا بالضرورة مدرّسين للفلسفة، لأن هذا أمر، ولو استوى ذهنيا وبدا من بديهيات العقل -إذ كيف تكون فيلسوفا ممتلكاً لنسق فلسفي أو نظرية فلسفية ولا تستطيع تدريس الفلسفة؟- فهو مما يُنتفى تاريخيا ويُلتبس عمليا، وبيان ذلك من وجهين: أولا لأن التدريس له شروط ومقوّمات وخصائص تلزمه في ذاته وليس من حيث هو مرتبط بالتفكير الفلسفي، هذه الشروط مرتبطة عضويا بنمو المدرسة كفضاء عمومي للتبليغ، هدفها نقل وترسيخ قيم ومعارف وخبرات الأجيال السابقة للاحقة، وذلك باعتبار أن المجتمعات حتى تستمر، محتاجة لتوريث قيمها وخبراتها ومكتسباتها الرمزية إلى الأجيال الصاعدة، والمدرسة هي من تقوم بذلك؛ والحال أن الفلسفة لم تكن يوما من جنس الخطابات 'الرسولية' الناقلة لقيم المجتمع، بل بالأحرى هي خطاب عقلاني يحاول طرح أسئلة الأسس، أسس هذه القيم وطبيعتها العقلانية، إنه خطاب كوني لا يتصل بالضرورة بقيم هذا المجتمع او ذاك، بل هو يخاطب مخاطَباً كونيا، سواء انتمى لهذه الثقافة أم تلك، كما أنها غالبا ما تدخل في صراع مع البنية الثقافية لمجتمع ما لكي تستنطق متمضناتها وتحفر خارج عادات فهمها؛ أ وَلم يمارس ديكارت الشك في كل شيء من حوله بغرض 'مسح الطاولة Table rasa'؟ ألَم يقل راسل أن الفلسفة تسافر بنا إلى منطقة الشك المحرّم؟ ألم يُعرف دولوز الفلسفة بأنها بطبيعتها ترحالية لا تأنس إلى مكان ما وأن إخلاصها في وفاءها لنفسها فقط؟ أوَلَم يلمع نجم أغلبية الفلاسفة المحدثين باوربا على هامش الجامعات المشهورة وخارجها، باعتبار أن هذه الجامعات كانت معاقل محافظة لفكر العصور الوسطى وفلسفتها الموروثة، وظلت كذلك حتى فترة متأخرة جدا[i]؟ وربما لهذا السبب أخفق فيلسوف في وزن دافيد هيوم في أن يشغل كرسي المنطق بجامعة جلاسكو، ولم يبدأ تقليد الجمع بين الفيلسوف وأستاذ الجامعة في اوربا إلا مع كانط[ii]. أما الوجه الثاني الذي تلتبس فيه ملامح الجمع بين الفلسفة وتدريسها، فهو ما كان الفيلسوف الألماني شوبنهاور قد أشار إليه في معرض تنقيصه من هيغل والهجوم عليه، عندما اعتبره 'من السادة الذين يتخذون الفلسفة وسيلة لكسب الرزق'، لأنه ما من شيء يسيء للفلسفة أكثر من اتخاذها وسيلة للتعيش وكسب قوت اليوم، فالفلسفة 'نعيش لها ولا نعيش بها' يقول شوبنهاور.

لكن، وبالإضافة إلى كل هذا، ثمة سبب آخر يمكن أن نردّ له العلاقة الملتبسة بين الفلسفة وتدريسها، وهو عامل بنيوي داخل في إمكانية تدريس الفلسفة نفسها، سواء من حيث الغاية من هذا التدريس، أو شروط حصول هذا التدريس، سبب يمكن أن نجمله في سؤالين: ما الذي يمكن تدريسه في مادة الفلسفة، الفلسفة أم التفلسف؟ ما الممكن أصلا هنا ليصل للمتلقي؟ وثانيا، كيف يمكن الخروج من ذلك الإحراج الذي يحصل بين حرية الفرد في التفكير وإصدار الأحكام من جهة، وعلاقته بالضرورة البيداغوجية والديداكتيكية المتحكِّمة من جهة اخرى؟ قد نرد السؤالين إلى تساؤل واحد فنقول: إلى أي حد يمكن اعتبار وجود الفلسفة داخل المؤسسة عامل محفز لتبليغها للمتلقي لا هدمها في فعل الإرسال والبث نفسه؟

إن مسألة تبليغ الفلسفة وتلقيها، وإن كانت راهنة، فإنها تحيل على نقاشات فلسفية قديمة[iii]، برزت مع حديث أفلاطون عن سن التفلسف، واستمرت عبر تاريخ الفكر الفلسفي لتتضح أكثر مع كانط، وهيغل، وصولا إلى شاتليه ودولوز ودريدا في الزمن المعاصر. ولعل أبرز الأطروحات في هذا الصدد هي للعملاقين الألمانيين: كانط وهيغل، اللذان يعكسان في معالجتهما لهذه المسألة استراتيجيتين مختلفتين في تبليغ وإيصال الفلسفة، يراهن الأول فيها على تعلم التفلسف، ويراهن الثاني على تعليم الفلسفة. بعبارة اخرى، لقد فهم كانط  من كلمة 'الدرس الفلسفي' بأن رأس الأمر هو تعلم التفلسف، في حين فهمه هيغل على أن أُسّ الموضوع هو تبليغ الفلسفة عينها، عبر تاريخها الذي ليس سوى الفلسفة معروضة كتاريخ لنمو الفكر (مع استحضار خصوصيات طرحه في هذه المسألة، وأثرها على تدريس مادة الفلسفة في المرحلة الثانوية)[iv].

لن نعرض هنا لتفاصيل الأطروحتين، اللت[v]ن يمكن مراجعتهما في مصاردهما الأساس،[vi] أو في مراجع كتبت عنهما[vii] ببعض الإسهاب، فالغرض من ذكرهما هو الإشارة إلى التربة الفلسفية التي نمت فيها التصورات والنظريات داخل حقل ديداكتيك الفلسفة، والتي نظرت للدرس الفلسفي من زوايا مختلفة، يمكن ترتيبها على النحو الآتي:

زاوية نظر، أسست لرؤية ديداكتيكية-بيداغوجية للدرسة الفلسفي، تنهل من المكتسبات المنهجية لهذا الحقل المعرفي الجديد[viii]، وترى بأن إخضاع الدرس الفلسفي للديداكتيكا ضرورة لا مفر منها، متى نظرنا للفلسفة كمادة دراسية، وموضوع للتعلم ومضمون للتبيلغ. لنُسمي هذه الرؤية بالاتجاه 'المؤيد' لتطبيق الديداكتيكا على الفلسفة، أي الطرح الذي يزكي التصور الذي بموجبه تكون الفلسفة موضوع ترتيب منهجي ومعالجة ديداكتيكية، وخاضعة لمساطر وإجراءات ذات طابع مؤسساتي، تجعلها ممكنة كمادة دراسية. 

اما زاوية النظر المقابلة، فهي أكثر تمرداً، وترى بأن الفلسفة تمتلك خصوصية لا تنفيها عنها صفتها كموضوع للتبليغ ومادة للتدريس، فهي نسيج وحدها، ولا تحتاج إلى ما هو خارج عنها ليقوم كشرط لإيصالها وتبليغها. لنسمّي زاوية النظر هذه بالاتجاه 'المعارض' لتطبيق الديداكتيكا على الفلسفة.

طيب..ما هي حجج كلا الطرفين؟

لنبدأ بالطرف المعارض..

يعرض الإتجاه 'المعارض' لتطبيق الديداكتيكا على الفلسفة –كما اتفقنا على تسميته- لمجموعة من الحجج في هذا الصدد، يمكن أن نبسطها على النحو الآتي:

1) يلاحظ هذا الاتجاه أن ثمة تناقضا أصلياً في الجمع بين الديداكتيك والفلسفة في عبارة 'ديداكتيك الفلسفة'، فهذا لا يصح لأن الفلسفة ما كانت يوما موضوع معالجة حقل آخر، وذلك عبر تاريخها كله، بل بالأحرى، كانت هي من تتخذ من الأشكال الثقافية وحقول المعرفة المتعددة موضوع نظر مضاعف، فنقول مثلاً: فلسفة العلوم، فلسفة الأخلاق، فلسفة الدين..إلخ، ولم نرَ يوما من يجعل من الفلسفة موضوع نظر، وإن كان فهذا مما لا يؤخذ بخفة، فهو موضع أخذ ورد ومساجلة، ومما لا يمكن أن يستقيم التسليم به  هكذا بداهةً، كما هو الحال هنا.

2) يثير هذا الاتجاه العلاقة الملتبسة بين الفلسفة والمعرفة عبر تاريخها، فالفلسفة لم تقدم نفسها عبر تاريخها كمعرفة بقدر ما قدمت نفسها كتساؤل لا ينطفئ حول المعرفة، أي أنها معرفة بالمعرفة، والشواهد الفلسفية على هذا اكثر من أن يتم عدّها، فهكذا عرفها هيغل مثلاً، بل يمكن القول مع (آندري كومت سبونفيل)[ix] أن الحديث عن 'معرفة فلسفية' هو حديث خرافة، وأن الفلسفة بمجرد تحولها إلى معرفة فهي تكف على أن تكون فلسفة، فالمعرفة في الفلسفة تأتي من خارجها، فهي بطبيعتها لا تعرف لكنها  تحكم (تصدر الحكم انطلاقا من المعارف التي تاتيها من الخارج) ، على نقيض العلم الذي لا يحكم لكنه يعرف (أي دون إصدار أحكام قيمة)[x].

3)- يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الفلسفة تحتوي على ديداكتيكها الخاص، وللاستدلال على ذلك يذهبون إلى القول بأن الفلسفة معرفة ديداكتيكية من حيث جوهرها، أي أنها تمثل لنفسها بيداغوجيتها الخاصة، فلم يكن لسقراط أن يكون بيداغوجيا لأنه كان فيلسوفا، أي مربيا توليديا، فتدريس الفلسفة لا يحتاج أبدا إلى ديداكتيكا، يكفي التفلسف. يشرح (ميشيل طوزي) فكرة هذ الاتجاه-الذي يختلف معه- ويعرض لها قائلا: "إن الاستدلال الذي يبرز فلسفيا التحفظ على إخضاع التدريس الفلسفي لديداكتيكا (...) يرى ان أفضل تكوين بيداغوجي لمدرس الفلسفة هو تكوينه الفلسفي، فتكون الديداكتيكا في أحسن الاحوال حشواً، وفي أسوئها شيئا دخيلا".

4) يركز أصحاب هذا الاتجاه على خصوصية Spécificité الفلسفة، ويرفضون 'البيتخصصية'، أي وجود مجال ما يربط بينها وبين باقي المواد، فالفلسفة لا يمكنها ان تخضع لشروط مؤسساتية توجه نشاط مدرس الفلسفة في اتجاه ما، فذلك حدّ من حريته التي تتسم، كما يقول (جان لوشا) بأنها مطلقة، وأي مس بها، هو ضرب في صفة الفلسفة الرئيسة وهي التدرب على الحرية.

هذه بعض من حجج الاتجاه المعارض لتطبيق الديداكتيكا على الفلسفة، لم نعرض لها كلها بل لأهمها وأبرزها، فماذا عن الطرف المؤيد لإخطاع التدريس الفلسفي للشروط الديداكتيكية؟

يعرض الإتجاه 'المؤيد' لتطبيق الديداكتيكا على الفلسفة –كما اتفقنا على تسميته- هو الآخر لمجموعة من الحجج في هذا الصدد، يرد في بعضها على من يرفض 'دكدكة الفلسفة didactisation de philosophie' يمكن أن نبسطها على النحو الآتي:

1) لا بد من التمييز بين الفلسفة كفكرة، والفلسفة كمادة دراسية..هذا هو التمييز الكاسح الذي يصدر عنه أصحاب هذا الاتجاه في قولهم. يتساءلون: هل كل مدرس فلسفة فيلسوف؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، وهي كذلك، فما وجه المطالبة هنا بالتحرر من الأداة المنهجية الضابطة لشروط قيام وضعية تعليمية ناجعة؟ أما إذا كانت بالإيجاب، فهذا ما يكذبه الواقع بشكل قاطع. وحتى لو افترضنا هذا جدلاً، فكيف يمكن لهذا الفيلسوف أن يشتغل على إيصال فلسفته بدون ترتيب منهجي مسبق تخضع له فلسفته كموضوع للتلقي من طرف المتعلمين؟ أي بدون عدة ديداكتيكية في نهاية المطاف؟

2) يرى أصحاب هذا الإتجاه- ضدا على ما قاله الإتجاه الأول المعارض- أن الفلسفة في النهاية 'معرفة'، وككل معرفة، لا بد لها إذ هي أرادت ان تكون متعلّمَة - لا فقط عالمة-، أن تخضع لضوابط وقواعد منهجية عملية هي التي نعبّر عنها في كلمة ديداكتيك، على اعتبار أن هذه الأخيرة في النهاية ليست سوى 'تفكيراً علميا وعملياً في كيفية التلقين والتدريس'، ومن ثم يصبح الحديث عن ديداكتيك الفلسفة، حديثا عن وضع مهني تعليمي-تعلّمي، يتم التوسل فيه بأدوات منهجية للقيام بنقل عملي لمادة الفلسفة كمادة متعلَّمة، ولا يتحقق تعلّمها سبَهْلَلَة (بشكل عفوي غير منظم)، بل بالارتكاز إلى أهداف عملية، هي التي يصطلح عليها باللفط المعاصر بالكفايات الفلسفية، وبالتركيز على تنمية مهارات معينة لدى التلميذ، هي التي يحاولون التعبير عنها من خلال الحديث عن القدرات المستهدفة.  

3) يرفض هذا الاتجاه إمكانية احتواء الفلسفة على 'ديداكتيكا' خاصة بها، فهذه حقل معرفي مخصوص نبت عن حقل معرفي آخر هو البيداغوجيا، ويهتم بطرق وأدوات إيصال المحتوى المعرفي للمتلقي-المتعلم، وهو في هذا يختلف عن المناهج التي عُرفت عبر تاريخ الفكر الفلسفي، والتي تتعدد بتعدد الأنساق الفلسفية.

4) ينجم عن النقطة الثالثة استنتاج طريف، هو أن الديداكتيكا تقدم خدمة لمدرس الفلسفة؛ فمدرسوا الفلسفة ليسوا جميعا مهتمين بالفلسفة فكر، بل كثير منهم ما ينظر لها كوظيفة توفر لهم لقمة العيش.

5) وهذه نقطة مهمة وهي أن رفض المدرس للديداكتيكا هو رفض لشروط المؤسسة نفسها، فما لا يُقبل كله لا يقبل جُله، والجزء يخضع للكل لا العكس، ثم ألَم يكن سقراط نفسه يقول بأن من دخل لمدينة ما، فعليه باحترام قوانينها؟ فليعتبر مدرس الفلسفة نفسه ضيفا على المؤسسة وليحترم قوانينها في اشتغاله على متون الفلاسفة وفكرهم..ولن يكون في هذا حد من حريته بل ضمان لها !

هذه باختصار شديد، وربما باختزال شنيع، هي حجج الطرفين في مناقشتهما للتصور المناسب لكيفية حضور الدرس الفلسفي، بالموازاة مع سؤال جذري حول إمكان ذلك أصلاً، ويمكن أن نستنتج منها بسهولة أن الفريق الأول يجد أصوله في الطرح الهيغلي، الرافض لإمكانية الفصل بين الفلسفة وتاريخها، و'استيراد' منهج مغاير لطبيعتها الخاصة، أما الفريق الثاني، المتحمس لضرورة احترام الفلسفة لشروط المؤسسة، والداعي لانفتاح الدرس الفلسفي على المؤسسة المدرسية، فنجد أساساته لدى كانط، الذي رأى أن الدرس الفلسفي هو تدرب مستمر على الاستخدام النقدي للعقل، فالتعلم بالنسبة للعقل هو ممارسة للحرية، شريطة ألا تكون عملية التدريس هذه خاضعة لشروط مخالفة لتلك التي اختارتها الفلسفة بحرية، ومن هنا نجد أن الامتداد البيداغوجي للطرح الفلسفي الكانطي، يتعامل مع هذه القضية من خلال ما يسميه بالبرادايغم المؤشكل، أي الذي يرى في الدرس الفلسفي تمرينا عقليا على حل الإشكالات والتعاطي معها نقديا، وهو ما يرجع للمفهوم المدرسي للفلسفة Concept Scolastique عند كانط، وهو ما يسمى أيضا عنده، بالديالكتيك.

أي التصورين، إذن، أقوى وأصوب..؟

مشيا على عادة الفكر دائما..لنترك السؤال مفتوحا !

 


 

 انظر كتاب: ثلاث محاورات فلسفية، دفاعاً عن المادية والتاريخ، صادق جلال العظم، ص:47، دار الفكر الجديد، الطبعة 1، 1990 [i]

 نفسه، ص: 47[ii]

3 انظر مقالة: الفلسفة والتواصل: الرهان والممكن،لـعز الدين الخطابي، ص:25 ضمن كتاب: التواصل، نظريات وتطبيقات، مجموعة من الباحثين (تحت إشراف د.محمد عابد الجابري)، سلسلة فكر ونقد، الكتاب الثالث/ طبعة بيروت 1، 2010

 حضور الفلسفة في الثانوي، عند هيغل، عرَضي أكثر منه أساسي، يقول في تلك الرسالة الى وجّهها إلى الوزارة الملكية المكلفة بالشؤون الطبية والمدرسية والدينية، بصريح العبارة: " لست في حاجة إلى أن أوضح بأن العرض الفلسفي يجب أن يقتصر على الجامعة وأن يُقصى من التعليم الثانوي" وسيضيف في موضع آخر، أنه من اللازم إقصاء الميتافيزيقا وتاريخ الفلسفة من الثانوية.

  [iv]

 انظر كتاب نقد العقل الخالص لكانط، ورساة إلى الوزارة الملكية لهيغل.[vi]

 انظر، مثلاً، المقالة المُشار إليها للدكتور عز الدين الخطابي، ضمن كتاب: التواصل نظريات وتطبيقات، إشراف: د.محمد عابد الجابري.  [vii]

 كثيرا ما تُعرف الديداكتيكا بوصفها جزءاً من البيداغوجيا يتخذ من التدريس موضوعا له.[viii]

 أستاذ فلسفة بجامعة باريس، السوربون، له مؤلفات لعل أشهرها: رسالة في اليأس والغبطة.[ix]

 انظر المقال بعنوان: الفلسفة فنا للعيش، حوار مع الفيلسوف، ضمن كتاب فلسفات عصرنا، تأليف مجموعة من الباحثين والأساتذة والمفكرين، إشراف: جان فرانسوا دورتيي، ترجمة: ابراهيم صحراوي، ط1، 2009[x]

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت