كارل بوبر و انتقاده  للوضعية المنطقية

أنس ناصري                                                                              

 

 

          تمهيد 

حظي المنهج الاستقرائي بمكانة خاصة لدى التصور التجرباني حيث اعتبر الأساس الفعلي في تمييزه العلم و الفيصل الحاسم بين العلم و اللاعلم  « فاستخدام المنهج الاستقرائي يعتبر معيارا للتمييز بين العلم    و اللاعلم و بذلك تتعارض العبارات العلمية القائمة على أدلة ملحوظة تجريبيا – أي القائمة باختصار على حقائق – مع أية عبارات من نوع آخر ، سواء قامت على النفوذ أو العاطفة أو التقاليد أو التأمل أو على أي أساس آخر » 1

و تجدر الإشارة إلى أن الاستقراء هو الانتقال من ملاحظة عدد معين من الظواهر أو الوقائع المنفصلة إلى قانون عام يسمح لنا بأن ننشئ كثيرا من القضايا العامة و نستخلص منها قضية أخرى أكثر تعميما أي أن الاستقراء هو ارتقاء من ملاحظات جزئية إلى ما هو كلي و عام بحيث يصبح قانونا كليا و عام و هذا ما يفترضه الباحث مسبقا أثناء تكرار الملاحظات في مجال معين ما كالفيزياء أو الطبيعيات . لكن هذا الارتقاء هو ارتقاء عبر تعميم حيث أعتبر هذا الأخير وسيلة منهجية للوصول إلى حقائق صادقة انطلاقا من فرضيات مصححة يتم بها الحصول عن قوانين عامة أي أن الارتقاء كان من العام إلى الخاص .

هكذا أصبح المنهج الاستقرائي الأداة الفعلية لتأسيس معرفة موضوعية تعمل على التمييز بين العلم   و اللاعلم « و الالتزام بالمنهج العلمي في أية دراسة أي إتباع الموضوعية و الاستناد إلى الملاحظة الدقيقة و الاعتماد على الاستقراء السليم و إجراء التجربة المنضمة يجعل الدراسة بحق علما» 2   أي أن السمة المميزة للعلم هو المنهج الاستقرائي رغم تلك التعميمات التي طبعت المنهج إلا أن الاستقراء أصبح الأداة المنهجية في العلم مما جعله يحضى بثقة العلماء أثناء القيام بتجارب و ملاحظات لها علاقة بميدان علمي معين و من ثمة يغتني المنهج عبر الانتقال من ملاحظات جزئية تجريبية وصولا إلى ملاحظات اعم يتم تقديمها في شكل قانون عام . لكن رغم تمييز القانون بالكلية و الشمولية إلا أن هذا القانون في حاجة إلى تنقيح و تعديل . و هذا ما دفع الباحث إلى التساؤل عن مدى مشروعية المنهج الاستقرائي ، و من ثمة أصبحت تطرح مشكلة الاستقراء و خصوصا مع دايفيد هيوم و برتراند راسل حيث قدما تصورهما للمشكل دون تبرير المشكل أو حله الشيء الذي سيدفع بالعلماء إلى البحث عن معايير جديدة تقدم معرفة موضوعية بالعلم و تميز العمل عن اللاعلم . إلا أن ذلك يدفع بنا إلى التساؤل عن طبيعة المعرفة الموضوعية. و بداية نتساءل : كيف تجسدت موضوعية المعرفة ؟ هل في معيار الوضعية المنطقية ؟ أم في الانتقادات التي وجهها بوبر للوضعانيين ؟

1 - الوضعية المنطقية و معاييرها :  

شكلت الوضعية المنطقية الأساس الفعلي في فلسفة العلم حيث اعتبرت إحدى المعايير التقليدية في تميييز العلم عن اللاعلم ،هذا بالإضافة إلى أن الوضعانيين المناطقة قدموا مجموعة من المبادئ التي ميزت فلسفتهم و ذلك بالقول «أن الفلسفة تحليلية حيث تقتصر على التحليل في خصائصها الأربعة  ( لغوية،تفتيتية،معرفية،بين ذاتية ) .كما أن الفلسفة علمية حيث جعل الوضعانيون المناطقة العلم النشاط العقلي الأوحد و اعتبار الميتافيزيقا لغو علة اعتبار أن الهدف الاستراتيجي لدائرة فيينا هو إثبات أن الميتافيزيقا لغو ما دامت قضاياها لا هي تحليلية و لا هي تركيبية ،و بذلك التحديد المنطقي لدقيق فهي قضايا لها معنى .أي ليس لها ما يقابلها في الواقع المحسوس فهي ألفاظ مبهمة ليس لها معنى  »3       كما تجدر الإشارة إلى أن ما ميز دائرة فيينا هو أن فلاسفتها ضاقوا ذرعا بما تصوروه من عقم المشاهد الميتافيزيقية زاعمين أنها بقيت ثلاثة و عشرين قرنا كما خلفها أرسطو و ذلك في استخدام ألفاظ غير مفهومة و يعبر عن هذا الرأي الفيلسوف الألماني هانس رايشنباخ في كتابه نشأة الفلسفة العلمية في عبارة مأخوذة لفيلسوف مشهور حيث يقول : «العقل هو الجوهر فضلا عن كونه قوة لا متناهية ،إذ أن مادته اللامتناهية الخاصة تكمن من وراء الحياة الطبيعية و الروحية كلها . فضلا عن الصورة اللامتناهية التي تبعث الحركة عن تلك المادة ، فالعقل هو الجوهر الذي تستمد منه كل الأشياء وجودها  »   هذا بالإضافة إلى أن الوضعانيين المناطقة قدموا مجموعة من المعايير التي هي بمثابة الفيصل الحاسم بين العلم و اللاعلم و الأساس الفعلي لركائز الوضعانيين       

 أ – معيار التحقق

يعتبر معيار التحقق من بين المعايير التي تجسد مبادئ الوضعانيين ،حيث أن كل حقيقة تركيبية تستمد من الملاحظة و أن كل ما يسهم به العقل في المعرفة ذو طبيعة تحليلية كان مضمونه بالجملة ليس بتحليلي  « فلكي تكون ذات معنى لا بد و أن تعبر عن واقع حسي تجريبي و أن الجملة التي لا يمكن تحديد صدقها من ملاحظات حسية ممكنة هي جملة لا معنى لها  »5  حيث أن المعنى هو العلم و اللاعلم هو اللامعنى  كما تجدر الإشارة إلى أن معيار التحقق تجسد بالأساس مع ج.ألفريد آير حيث ميز بين نوعين من التحقق،تحقق عملي و تحقق مبدئي  «فالتحقق العملي يغيب وجوده عند غياب الظروف المواتية له  »6    كما أقام آير تفرقة بين نوعين من التحقق : تحقق قوي و تحقق ضعيف و التحقق الضعيف هو ما حاول آير الدفاع عنه  «لأنه لا يكفي لكي تكون العبارة ذات معنى أن يكون في إمكان التجربة إثبات احتمالاتها.»7    لكن رغم دفاع آير عن مبدأ التحقق الضعيف لم ينتبه من أن هذا المبدأ  « يستبعد الكثير من الأحكام الجاهزة و الزائفة ،كالحم القائل مثلا عن عالم الحس لا واقعي.و شتى الأحكام التي تدور حول الواقع »8   رغم كل هذا اعترف آير في الطبعة الثانية من كتابه " اللغة ، الصدق و المنطق " بأن تعريفه السابق للتحقق « قد يفتح السبيل أمام أية عبارة ميتافيزيقية أو أية جملة فارغة من المعنى لأن تكون مبدئيا قابلة للتحقق » 9  وذلك لأن ج.أ.آير كان فد ذهب من قبل إلى أنه من الممكن لأية عبارة أن تكون قابلة للتحقق إذا كانت هناك بعض العبارات ائمة على الملاحظة يمكن استخلاصها من تلك العبارة و لو كان ذلك عن طريق الاستعانة ببعض المقدمات الإضافية . و لكن،لم يلبث آير  أن تحقق آير من عدم كفاية هذا المبدأ من مبادئ التحقق و سرعان ما قدم بعض الشروط لتلافي الاعتراضات التي يمكنها أن تواجه معياره .ومن جملة هاته الشروط :(10) 

 أ - تكون العبارة قابلة للتحقق بطريقة مباشرة إذا كانت هي نفسها قضية قائمة على الملاحظة أو إذا توفرت قضية أو أكثر

ب – تكون العبارة قابلة للتحقق بطريقة غير مباشرة  إذا توافر فيها شرطان أساسيان :  

              * إذا ترتب عليها- بالاشتراك مع بعض المقدمات الأخرى- عبارة أو أكثر قابلة للتحقق بطريقة مباشرة على شرط ألا تكون هذه العبارة أو العبارات مستخلصة من تلك المقدمات الأخرى وحدها . 

              * ينبغي ألا تشمل هذه المقدمات الأخرى على أية عبارة تكون إما تحليلية ، و إما قابلة للتحقق بطريقة مباشرة،و إما قابلة للاثبات في استقلال تام عما عداها بوصفها تقبل التحقق الغير المباشر .    

 فكل هذه الشروط التي أضافها آير تهدف إلى استبعاد العبارات الفارغة من المعنى من دائرة إمكانية التحقق .لكن،رغم كل هاته المجهودات لقي العيار مجموعة من الاعتراضات حتى من داخل الفلسفة نفسها حيث رفضوا هذا المعيار لكون أن القضايا الجزئية و المفاهيم لا يمكن أن نتحقق منها تحققا كاملا . هذا بالإضافة إلى أنه  لا يستطيع التمييز بين العلم و اللاعلم ، مما دفع بالجماعة إلى التفكير في معيار آخر يحاول التمييز بين العلم و اللاعلم .

     ب – معيار القابلية للتأييد والاختبار:

إن معيار القابلية للتأييد Confirmability « يقدم قضية ذات معنى و تكتسب هذا الشرط إذا أمكن تأييدها و ذلك باشتقاق قضايا صادقة منها كما ارتبط معيار القابلية للتأييد بالقابلية للاختبار Testability و تكون الجملة قابلة للاختبار إذا كنا نعرف  « الإجراءات المعينة التي من شأنها أن تؤيد الجملة أو تؤيد نفيها لدرجة ما . بينما تكون الجملة قابلة للتأييد إذا أمكن منطقيا لأي نوع من الأدلة التجريبية أن يؤيدها‘حتى و لو كنا نعلم المسار المعين لإجراءات الحصول على هذه الأدلة  أما القابلية للاختبار هي مجرد صورة قوية و فعلية من قابلية التأييد المضاعفة ،فالفارق بينهما يطابق الفارق بين التحقق بالمعنى أي المباشر أو القوي كما تصوره ج.ألفريد آير و التحقق بالمعنى الضعيف،وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد على أن معيار القابلية للتأييد هو الأوسع في ماصدقيتها. 

و الجدير بالذكر أن كارل هامبل رفض معيار التحقق لكونه يرفض المنهج الاستقرائي فهو بالضرورة يرفض المعيار .لكن،رفضه هذا أدى به على الإعلان أنه لا يمكن اعتبار النظرية علمية ما ام تكن قابلة للاختبار التجريبي و التأييد ببينات تجريبية . فحسب كارل هامبل أنه « إذا تحققت شروط الاختبار  "ح" يحدث الناتج "ه"  »13                           

هذا بالإضافة إلى أن هامبل طرح خرافة الاستقراء جانبا رغم أن فكرة المعنى من الأسس المميزة للوضعية المنطقية ،لكن رغم هذا التصريح الذي قدمه هامبل بخصوص معيار القابلية للتأييد كان معجبا  و مؤيدا لمعيار بوبر في تمييزه للعلم عن اللاعلم . رغم أن معيار القابلية للتكذيب مضاد لمعيار الوضعانيين.   و هذا ما يؤكد على أن الوضعانيين أنفسهم لم يتفقوا عن المعايير التي أسندوها لفلسفتهم ، الشيء الذي أدى بكارل بوبر إلى مواجهة معاييرها و تقديم الاعتراضات حول معيارهم من أجل تأسيس معيار يميز العلم عن غيره . فما هي إذن هذه الاعتراضات ؟ و كيف تمت مواجهة هذا المعيار ؟ هل هي اعتراضات منطقية ؟

 3 -–كارل بوبر و انتقاداته   :

أ- خرافة الاستقراء

اعتبرت فلسفة كارل بوبر فلسفة ضد الاستقراء ( اللاستقراء ) و هذا ما يتضح من كتابته و مقالته ،و الدليل على ذلك إحدى المراسلات التي دارت بين بوبر و بريان ماجي: )14)           بريان ماجي : إنك- أي بوبر – تنادي بمبدأ مخيف إذ تقول ليس هناك شيء اسمه الاستقراء ،  و أنك لا تتصور أن الاستقراء لا يصف ما يفعله العلماء في الواقع و لا هو يصف ما يجب أن يفعلوه  

 كارل بوبر : نعم .. و جهة نظري كانت على و لا تزال مختلفة ، و هذا ما يدفعنا إلى التأكيد على أن الفيلسوف اتخذ موقفا مخالفا لما تم اعتياده و الاتفاق عليه أي أن موقف بوبر إزاء هذا الموضوع كان مخيفا إلى حد ما و ذلك بإثبات خرافته ر غم تشكك الفيلسوف في البداية من موقفه الذي يدعي بالخرافة « فقد تشكك في أول الأمر في أن يكون مخلصا و صادقا في انكار ما لا يستطيع أحد البثة أن يشعر بأدنى شك فيه، ما يأخد بمثل هذا الانتشار الواسع و اليقين الثابت » 15                                                                     لكن،رغم تشككه هذا كان مصرا على موقفه بفضل إثباتاته الحجاجية التي تبرز مدى خرافة هذا المنهج .   و بداية ينطلق الفيلسوف من كون أن الملاحظة هي الأساس الفعلي للوصول إلى فروض، غير أن بوبر يعتبر أن البدء بالملاحظة لا يفضي إلى أي شيء و هذا هو سبب الخلاف مع الاستقراءنيين .حيث يؤكدون على أن الملاحظة الحسية هي نقطة البدء التي توصلنا إلى فروض .  ما بوبر فيقول العكس « فالفروض قبل الملاحظة على اعتبار أن الفرضية تتكون في ذهن العالم قبل إجراء عملية  الملاحظة 16          

هذا بالإضافة إلى أن البدء بالملاحظة الخالصة فقط و تعميم نتائج الملاحظة للوصول إلى نظريات علمية من غير أي تصميم ذهني مسبق هو من باب المستحيل . و ما يوضح استحالة هذه الفكرة  « إحدى الروايات التي تحكي عن رجل كرس حياته للعلم الطبيعي و أخد يسجل كل ما استطاع أن يلاحظه ثم أوصى بأن تورث هذه المجموعة من الملاحظات التي لا تساوي شيئا إلى الجمعية الملكية للعلوم بانجلترا كي تستعمل كدليل استقرائي . و من الواضح أن هذه المجموعة من الملاحظات لا يمكنها أن تبرهن على أي شيء أو تفضي إلى أي شيء آخر» 17   كما أكد بوبر فكرته هاته في إحدى محاضراته التي أقامها في فيينا مع طلبة الفيزياء حيث قال : «أمسك بالقلم و الورقة ،لاحظ بعناية و دقة . وسجل ما تلاحظه »18 و بالطبع تساءل الطلاب عما يريدهم بوبر أن يلاحظوه .فعبارة لاحظ فحسب لا تعني شيئا و هي من باب المحال .   و يقودنا الحديث السابق إلى القول أن العالم لا يلاحظ فحسب بل يبدأ بالحصيلة المعرفية التي تم اكتسابها من الخارج .ومن هنا تصبح الفرضية مضاءة بنور الملاحظة ، على اعتبار أن الملاحظة هي التي تأول الفرضية .    و هذا على العكس مما تم إثباته لدى التجربانيين حيث تمثل الاستقراء في فكرة التعميم و تكرار الملاحظات، و على ضوء هاته المقارنة تم إثبات استحالة البدء بالملاحظة و خرافة المنهج الاستقرائي لأن الفروض سابقة على الملاحظة التجريبية و من تم ليس مستقرأ منها على الإطلاق .كما تم تأكيد خرافة المنهج انطلاقا من مواقف معاصرة للفيلسوف حيث يؤكد سير بيتر أحد العلماء الحاصلين على جائزة نوبل يقول : «أن الاستقراء الذي انشغل به هيوم لا بد و أن يكون محض خرافة »19    كما نجد أحد العلماءالرياضيين ج.برونفسكي      j. Bronoviskt يقول : « ما زالت نظرياتهم – أي نظريات فلاسفة العلم – الاعتقاد بأن العلم جمع تراكمي للواقع ، و أن التعميم ينمو بذاته من تكديس أمثلة منفردة في مجال واحد ضيق و هم يظنون أن العالم يقتنع بأن الضوء يصل إلى العين في كميات متلاحقة ، لأن هذا العالم يجري تجربة و يكررها لكي يتأكد . و لكن ، هذا للأسف الشديد ليس على الإطلاق ما يفعله العالم ،إنه بالفعل قد يكرر التجربة مرتين أو ثلاثا ،إذا كانت نتيجتها تصدمه بغرابته و مخالفتها لما هو متوقع أي أن هناك توقع سالف ننتظر على أساسه نتيجة التجربة »20    كما يؤكد عبد الرحمان بدوي في كتابه " مدخل جديد إلى الفلسفة " حيث يعتبر أن  «جوهر المنهج التجريبي هو الفكرة و أن الفكرة تكون بالنسبة للمجر بنوع من الاستباق Anticipation و أنه إذا ما تبينت الفكرة يمكن فقط أن نقرر كيف ينبغي إخضاعها لتعليمات محددة و قواعد منطقية دقيقة ليس في وسع أي مجرب أن ينحرف عنها . لكن ، ظهورها كان تلقائيا تماما و طبيعتها فردية لا استقرائية »21    و بعد ذكر هذه المواقف يمكن القول أن خرافة المنهج الاستقرائي كان لها أساس فعلي في تبني هذه الموقف و أن خرافة المنهج الاستقرائي كانت نتيجة انطلق التجربانيين من ملاحظات للوصول إلى فرضيات تصبح بمثابة قوانين كلية .                                                                                               

هذا البناء الذي انطلق منه التجربانيون هو بناء خاطئ لا أساس له من الصحة ،و من ثمة يسقط المنهج في دائرة الخرافة لا سبيل للخروج منها . و هذا ما دفع بالفيلسوف كارل بوبر إلى القول بخرافة المنهج الاستقرائي و التفكير في معيار يضمن استمرارية العلم .

ب – بطلان معيار الوضعانيين

 أسس بوبر معيار القابلية للتكذيب بنقد مبادئ الوضعانيين المناطقة و هذا ما دفعه إلى القول أن  « محاربة الوضعية المنطقية كان و بلا جدال أحد اهتماماتي الأساسية »22           هذا بالإضافة إلى أن الفيلسوف حطم ركائز و أسس الوضعانيين ألا وهي محاربة الميتافيزيقا ،فكان تصور بوبر على خلاف ما تصوره الوضعانيين حيث اعتبر أن الميتافيزيقا تستحيل أن تكون لغوا على اعتبار ان هناك أفكار ميتافيزيقية ساعدت على تقدم العلم بل و كانت ضرورية له  « فكثيرا من نظرياتنا العلمية قد تطورت عن أساطير مرحلة ما قبل العلم و عن نظريات كانت في وقت ما غير قابلة للاختيار ( أي لا علمية او ميتافيزيقية ) فيمكن أن نتتبع تاريخ نظرية نيوتن إلى الوراء حتى أنكسمندر و هيزيود ، و النظرية الذرية كانت غير قابلة للاختبار - أي أقرب إلى الميتافيزيقا – حتى سنة 1905 تقريبا. بل و أن كثيرا من الأفكار الميتافيزيقية قد أوحت بصورة مباشرة بنظريات  علمية »23  و هكذا و بعد أن انتقد بوبر إحدى المبادئ التي أسست للوضعانية ألا وهي الميتافيزيقا ،هذا بالإضافة إلى نقد منحاهم اللغوي و منحاهم التحليلي . و الأهم من هذا نقذ المعايير التي أقام عليها الوضعانيون بنيانهم     و يتعلق الأمر بمعيار التحقق و معيار القابلية للتأييد . حيث بدأ بوبر انتقاده بمعيار التحقق  و هذا المعيار في تصور الفيلسوف غير قابل للتحقق و هو أمر مرفوض بالبثة .لأن هذا المعيار بمثابة ظل المنطق الاستقرائي و لا فرق بين التحقق و الاستقراء .   كما أن ضرورة التحقق من الكلمات كي تكون ذات معنى ، تعني أن نحدد بدقة الدلالات الحسية للكلمة قبل أن نستعملها . و معنى ذلك أن الاستعمال الذي أكده كل من آير و موريس شليك خاصة سيفضي بحسب الفيلسوف إلى تحصيل حاصل لا وجود لأية قضية تركيبية و بالتالي فإن التحقق من المفاهيم لا يستقيم فيه القول و لا يميز فيه العلم عن اللاعلم 24   و على هذا النحو فإن ارتباط هذا المعيار بهذا الأخير يجعل منه معيارا مفرغا من محتواه و بالتالي لا يصلح حسب تصور الفيلسوف كارل بوبر بأن يكون معيارا لتمييز العلم عن اللاعلم   و هكذا جاء تفكير بوبر لتأسيس معيار القابلية للتكذيب . فما هو إذن هذا المعيار ؟ و على ماذا يتأسس ؟ هل تم تأسيسه على بنيان منطقي ؟

 مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.t35.com

 

الهوامش :

1-     Bryan Magee, Karl Popper, edited by Frank kermod,Viking press,New york second edition , 1973,b12

2-     ستانلي بيك : بساطة العلم ، ترجمة زكريا فهمي ، ص 161

3-     زكرياابراهيم : دراسات في الفلسفة المعاصرة ، مكتبة مصر، ص ص 281 -284

4-     هانس رايشنباخ : نشأة الفلسفة العلمية ، ترجمة فؤاد زكريا ، ص 16

5-     هانس رايشنباخ : نفس المرجع،ص 227

6 – A. J.Ayer:« Language,Trurh and Logic  » 1964,p.p.37-38

7- Ibid , Introduction,p.p 11- 12

8- North White : « The Age of Analysis,20 th century philosophers»              p206

9- A.J.Ayer : « Language,Trurh and Logic  » p 12

10 – Ibid , p 13

11- يمنى طريف الخولي : فلسفة كارل بوبر ، ط2 ، 2002 ، ص 224

12- Victor Kraft : «  Popper and the Vienna circle  »p.p 189-190

  13- كارل هامبل : فلسفة العلوم الطبيعية،ترجمة جلال محمد موسى،ص 45

14- Bryan Magee: « Modern British Philosophy »p 12

15-  Karl Popper « Conjectures and Refutation »p 46

16 - Ibid , pp 46 – 47

17 - Ibid , p 47

18 - Ibid , p 48

19 – Peter Msdwar : « Hy Polydesis and Imagination » p 270 

20 – ج. برونوفسكي : وحدة الانسان ، ترجمة فؤاد زكريا ، ص 60

21  - عبد الرحمان بدوي : مدخل جديد الى الفلسفة ، ص 97

22 - Karl Popper « Conjectures and Refutation »p 49

23 - Ibid , p 261

24 -  Ibid , p 264

25- Peter Msdwar : « Hy Polydesis and Imagination » p 274

 

لائــحـة الـمـراجــع

* بالعربية :

 - ستانلي بيك : بساطة العلم ، ترجمة زكريا فهمي ، 1989

 - زكريا إبراهيم : دراسات في الفلسفة المعاصرة ، مكتبة مصر،1984

- هانس رايشنباخ : نشأة الفلسفة العلمية ، ترجمة فؤاد زكريا،ط 3 ،2004

- يمنى طريف الخولي : فلسفة كارل بوبر ، ط2، منشأة المعارف ، مصر ،2003

- كارل هامبل : فلسفة العلوم الطبيعية،ترجمة جلال محمد موسى، مكتبة مصر، 1985

- ج. برونوفسكي : وحدة الانسان ، ترجمة فؤاد زكريا، ط 2 ، منشاة المعارف ، 1981

- عبد الرحمان بدوي : مدخل جديد الى الفلسفة، مكتبة مصر، 1978

  

* باللغة الأجنبية :

A. J.Ayer:« Language,Trurh and Logic  » Penguin Books,London 1974

- Bryan Magee, Karl Popper, edited by Frank kermod,Viking press,New york second edition, 1973

2 Bryan Magee: « Modern British Philosophy »Seker and Warburg ,London.1971

3- Northon White :  The Age of Analysis:20 th century philosophy A Minotor Books, New American Liberary, New York , 1957

4- Peter Msdwar : « Hy Polydesis and Imagination » Oxford University Press,1948

5 - Karl Popper « Conjectures and Refutation » The Grouth of Scientiifc Knowledge,Routledge and Kegan Paul,reprinted fourth edition,London.1976

 

*******************

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

**

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

رجوع إلى صفحة الاستقبال