مقارنة  بين هردر وكنط

محمد الخشين                                                                                             

 

 

الفصل الأول: الأصول الفلسفية لفكر هردر :

يعد يوهان غوتفريد فون هردر وريثا متوهجا لفكر الأنوار ،رغم أنه انتقدها أحيانا.وهذا النقد كان" نقدا يساريا "وليس يمينيا على غرار ما هو الأمر بالنسبة لنقد مايستر أو دوبونالد ،طبقا لما كتبه ارنست كاسيرر، يسجل هذا الأخير بأن في

  هردر" تتجاوز فلسفة الأنوار ذاتها وتبلغ قمتها الروحية" « En Herder la philosophie des lumières  se dépasse elle- même et atteint son sommet  spirituel » .وبالفعل لا توجد ضمن التيمات الجوهرية لفلسفة هردر ما لا نعثر فيها على آثار ممثلي فلسفة الأنوار ،مثل سان ايفرومان Saint  Evrement فولتير ،دافيد هيوم ،ادم فيرغوسن ،ديدرو،روسو ولايبنيز ويشمل ذلك  موضوعات كثيرة من بينها موضوعة القومية Nationalgeist .

ليس هردر،وأنما هيوم في بحوثه حول الأخلاق Essais de morale الذي كتب :"vous n’avez point en assez d’égard aux mœurs et aux usages de différents siècles. Voudriez-vous juger un Grec ou un Romain d’après les lois d’Angleterre ? Ecoutez les se défendre par leurs propres maximes, vous vous prononcerez ensuite il n’ya pas de mœurs, quelques innocentes et quelques raisonnables qu’elle soient, que l’on ne puisse rendre odieuses ou ridicules lorsqu’on les jugera d’après un modèle inconnu aux auteurs »Hume 1947 .

إنكم لم تأخذوا قط ما يكفي من المسافة حيال الأخلاق واستعمالاتها في مختلف القرون.هل تريدون محاكمة يوناني أو روماني طبقا لقوانين انجلترا؟ أنصتوا إليهما في دفاعهما عن نفسيهما بمبادئهما الخاصة،سوف تقولون على اثر ذلك،ليس ثمة أخلاق،مهما كانت بريئة أو معقولة كيفما كانت،لا نستطيع أن نجعلها بغيضة أو مثيرة للسخرية حينما نحاكمها بحسب نموذج غير معروف من قبل أصحابها"

وهذا لا يعني بالنسبة لهيوم بأن  علينا أن نتمنى محو مختلف القوميات.لكن هردر يود لو أن ذلك يحدث .فإذا تمكن ا لمثقف  من نقد "الأحكام المسبقة"،أي المفترضات الثقافية القبلية المرتبطة  بهذه الأمة أو الحضارة أو تلك ،فذلك فقط ضمن الحدود التي يمكن أن تمنح للأفكار القوة والفاعلية التي قد تنقصها حينما تجهد نفسها لبلوغ الإنساني و الكوني فقط انطلاقا من رفض مجرد لما هو خاص .وهي فكرة موجودة عند روسو Rousseau ،ف"حب الإنسانية ،حقيقة أكبر من حب الوطن والمدينة ".بينما يسمى مونتسكيو القومية Nationalgeist ب "روح الشعب"أو "عقل الشعب"أو "طبع الأمة ".وحتى عند فولتير نجد موضوعات، مثل:"عبقرية لسان ما "génie d’une langue أو العبقرية الوطنية "génie national ".

صحيح أنه عند هؤلاء لا تعتبر هذه المبادئ مبادئ أصلية،وإنما هي مرهونة بعوامل أخرى تاريخية ،بينما الأمر ليس كذلك عند هردر. إذ يرى في الشعب أو الأمة مفعولا إحصائيا، منتجا عن طريق مجموعة من الخصوصيات الفردية المنمذمجة ضمن نفس الوسط،نفس الأجواء ،نفس الشروط التاريخية المشتركة ،وهي بصمات متماثلة مع شعوب أخرى ومع التقليد الذي ينجم عنها.بحيث  أن الأمة لا تظهر ككلية جوهرية إلا وفقا لنظرة عميقة،وهي نظرة ملمّة .ومن هنا يمكن اعتبار هردر في العمق ضمن حقل النظرية الاجتماعية، كما هو أيضا الحقل الأخلاقي كفرداني Individualiste  ،وعنده لا تدل أسبقية المجتمع على شيء آخر غير فكرة أن التاريخ لا يمكن أن يكون إلا تاريخ الشعوب،وليس تاريخ الملوك ووزرائهم،وهو لا يمكن أن يكون سوى تاريخ الحضارة.وبخصوص هذه الوجهة من النظر يعتبر هردر فولتيريا لا يجهل نفسه .

هناك مصدران أساسيان لفكر هردر بدونهما لا يسهل فهمه،وكل منهما له تأثير كبير على الأنوار الألمانية :أعمال ليبيز وأعمال روسو .

كان هردر أيضا ليبينيزيا ذلك أن نزعته الفردانية ليست ذرية ،وإنما هي مونادية. إن الفرد يدمج في نفسه ما يوجد في الكلية العضوية للتاريخ.وما قاله ارنست كاسيرر حول المفهوم الليبنيزي عن الفردي l’individuel يسلط الضوء عن المفهوم الهردري."كل جوهر فردي،ضمن النسق الليبينيزي،ليس فقط جزءا،شذرة ،قطعة من الكون.بل هو هذا الكون نفسه، منظورا إليه من مكان معين ،وداخل أفق خاص..كل جوهر،بمحافظته على دوامه وبتطويره لتمثلاته طبقا لقانون خاص،يرتبط مع ذلك في السير الى هذا الخلق الفردي،ينسجم مع كلية totalité الآخرين"كما قال كاسيرر.

ومع ذلك ،يبدو ان هردر أنكر إمكانية وجود" خلاصة لكل الأزمنة ولكل الشعوب"،فهو يقبل بأننا نحتوي في ذواتنا على كل القدرات ،كل والاستعدادات والإمكانات التي تتمظهر كوقائع حققتها كل حضارات الماضي،من هذه الوجهة من النظر،هناك في كل واحد منا كمية متساوية من القوى،بنفس المقدار.لكن ليبنيزيا أصيلا لا يفصل الفردية عن الشروط التي تنمذج نموها.إن الفردية توجد في بقاء نمو يدمج الشروط التي تسمح لها بالتمظهر.

في حين،تحقق كل حضارة ،وكل ثقافة ،إمكانية واحدة للإنساني L’humain وتخفي إمكانيات أخرى. في مجرى التاريخ يمكن إذن أن يجد مجموع إمكانات الطبيعية الإنسانية  نفسه قد تحقق،لكن شيئا فشيئا،وليس بصورة متزامنة.كل لحظة ،مع ذلك ،ثمرة لضرورة متساوية،تملك قيمة متساوية مع غيرها من اللحظات،وهذا لا يتناقض مع فكرة تقدم المجموع،لكنه يسير ضد المذهب التطوري الذي يعتبر أن الإنساني لا يتحقق بصورة كاملة إلا في نهاية التاريخ (أو فيما قبل التاريخ،إذا تكلمنا بلغة نوع من الماركسية).يستعمل هردر، في العمق،المبدأ الذي سماه هايكل باسمه حينما صاغه بمصطلحات بيولوجية،لكنه في الوقت نفسه، قاعدة لاستعارة قديمة: يجدد علم تطور السلالات la phylogénèse نفسه في أنطولوجية النشأة،ونفهم انطلاقا من هنا كيف يمكن التوفيق بين التقدم والمساواة في القيمة.إن الطفولة لها قيمتها في ذاتها،اذ لها قيمها الخاصة،سعادتها الخاصة،والمراهقة أيضا،ولكن أيضا الراشد الذي هو الإنسان التام،الإنسان في نضجه.

وفضلا عن ذلك،فإن المساواة الهردرية بين الثقافات والحقب تجد برهانها فيما سماه مشيل سيرعند ليبنيز "موضوعة الغيرية الكيفيةaltérité qualitative  داخل استقرار في الدرجات" «  En passant du plaisir de la musique à celui de la peinture ,dit Leibniz, le degré des plaisirs pourra être le même ,sans que le dernier ait pour lui d’autre avantage que celui de la nouveauté …Ainsi le meilleur peut être changé en un autre qui ne lui cède point ,et qui ne le surpasse point » il n’en reste moins qu ’ »il y aura toujours entre eux un ordre, et le meilleur ordre qui soit possible »

"بالانتقال  من متعة الموسيقى إلى متعة فن الصباغة،قال ليبيز،يمكن لدرجة المتعتين أن تكون هي هي،دون أن يكون للأخيرة امتياز آخر غير الامتياز الذي ينتج عن التجديد.وهكذا فإن الأفضل يمكن أن يغير بآخر لا يتنازل له عن أي شيء قط،ولا يتجاوزه قط" و"سوف يكون بينهما دائما نظام.وسيكون أفضل نظام ممكن"S’il est vrai qu’ «  une partie de la suite peut être égalée par une autre partie de la même suite »,néanmoins «  prenant toute la suite des choses ,le meilleur n’a point d’égal »

Mais  on peut aller beaucoup plus loin, et dire que, de même qu’il ya équipotence entre non seulement  la suite des nombres

  Pairs et  la suite des carrés, mais la suite des carrés par exemple, et la suite des entiers, le meilleur a même puissance dans une partie de la suite et dans l’ordre du tout » .

فإذا كان صحيحا أن «جزءا من متتالية يمكن  مساواته مع جزء آخر من نفس المتتالية ،فإننا إن أخذنا كل متتالية الأشياء، نجد بان الأفضل لا شيء يساويه».

لكن يمكن أن نذهب بعيدا جدا، وأن نقول كما أن هناك توافق بين، ليس فقط   متتالية الأعداد الزوجية ومتتالية الأعداد الصحيحة، وإنما أيضا بين متتالية الأعداد المربعة مثلا، ومتتالية الأعداد الطبيعية الصحيحة، إن الأفضل له نفس القوة في جزء من المتتالية وفي نظام الكل.

وبدون  روسو لا يمكن فهم المنطق الذي يوحد عقلانية هردر بأنثروبولوجيته حول التعدد. روسو هو أول من أفهمنا بأن العقل والحرية شيء واحد.إن هذا العقل ليس فقط ملكة متميزة، وإنما بوجه ما، وجود الإنسان نفسه، فالفرق بين الإنسان والحيوان ليس فرقا في الملكات، بل ،كما قال في " رسالة حول أصل اللسان Traité sur l'origine de la langue، فرقا كليا في إدارة وتنمية كل ملكاته...

لكن إذا لم يكن العقل ملكة منفصلة ومعزولة، فهو حاضر منذ الطفولة، منذ الأصل، في أقل مجهود للغة، إن العقل الهردري عقل للمعنى، وليس عقل حساب. عقل فختى وليس عقلا ديكارتيا لكنه، كيفما كان الحال، عقل .وهو مهم جدا مادام أن الثاني لا يمكن أن يعمل بدون الأول، ثم لأن العقل الديكارتي لا يؤسس أخلاقا ولا حقا.

مثل فيكو، حدس هردر ما يقود إلى نوع من الديكارتية. إذا لم يوجد كنز للمعنى، حيث يستطيع كل واحد أن يستمد منه ما يجعل منه هذا الكائن المتفرد، وفي نفس الوقت القابل للوصف "فإننا سوف نصل بسرعة إلى أسوأ ما يكون Lhumpty_ dumptisme، ولن يكون هناك أي عقد ممكن، ولا أي تفاهم، وإلا إلى  سلطة استبدادية لتنين ما .إن سياسة ديكارت، لا يمكن أن تكون فعليا، في هذه الشروط سوى الوحش البارد الذي وصفه هوبز حيث يقرر العاهل أو الملك معنى الكلمات. إنه هذا الوحش الذي سعى رجال الدولة في القرن السابع عشر إلى تحقيقه بدءا من الكاردينال دوريشوليوLe cardinal de Richilieu. وهو ما يفضي إلى لغة الخشب، في نهاية الأمر، ولو أنه لا يبدأ إلا مع أكاديميات بريئة ظاهريا.

الفصل الثاني- مقارنة بين هيردر وكانط :

اعتبر هردر أن غاية الإنسان هي السعادة، وذلك في ارتباط بتنوع الحاجات والمشاعر الإنسانية.

ذلك أن التنوع اللامتناهي للشروط التي يعيش فيها الناس ينتج أيضا تنوعا لا محدودا في ما يتوق إليه هؤلاء، والسعادة التي هي الهدف من وجودنا، لا يمكن تحقيقها في كل مكان بنفس الطريقة، حتى صورة الغبطة تتغير مع كل حالة للأشياء وكل جو، لأن ما هي هذه السعادة إن لم تكن مجموع إرضاءات الرغبات، وتحقيق الأهداف والحاجات اللذيذة، وكلها تتنمذج بحسب كل بلد وكل مرحلة ومكان ؟ ذلك أن الطبيعة الإنسانية ليست وعاء قادرا على أن يحتوي غبطة مطلقة .هناك إذن لدى هردر نوع من المذهب النسبوي في السعادةEudémonisme relativiste، لم يستطع كنط أن يتحمله، وهذا المذهب يعني بالنسبة لهردر أن الفرد لا يوجد من أجل الدولة، ولا من أجل النوع.كما أن  الأجيال السابقة لم توجد من أجل اللاحقة، ولا اللاحقة من أجل الآتية في المستقبل. «وهكذا فإن معنى الحياة الإنسانية لا يكمن في تقدم النوع، وإنما في إمكانية تحقيق كل فرد، في كل مرحلة، إنسانيته، كيفما كان المجتمع الذي يعيش فيه والثقافة الخاصة بهذا المجتمع» هنا نجد نوعا من النزعة الإنسانية تتعارض مع تلك التي نجدها عند كنط ،الذي يجب بحسبه، أن نتقبل أن يضحي الجيل السابق بسعادته من أجل الأجيال اللاحقة، وهذه الأخيرة وحدها تستطيع أن تنال هذه السعادة. لقد فكر هردر ،على العكس من ذلك، في أن لكل مرحلة سعادتها الخاصة، وكل شعب وحتى أيضا كل فرد، له سعادته الخاصة، لأن كل مرحلة، لكن أيضا كل فرد، يشكل كلا له غايته في ذاته. وهذا هو السبب الذي جعل هردر ينتقد كل نزعة غائية في التفسير التاريخي "إن الله لا يتصرف في التاريخ إلا عن طريق قوانين عامة طبيعية، وليس بواسطة قوانين غائية، وعن طريق مفعول حريتنا الخاصة".

Dieu n'agit dans l'histoire que par des lois générales naturelles, non téléologique, et par l'effet de notre liberté ».       

وقد تطرق الدكتور محمد عابد الجابري في أحد مقالاته الى الحضور الرشدي في السجال الكنطي الهردري ، بعنوان : "الماضي والمستقبل أيهما يحكم الآخر ؟"يقول الفقيد

«من أجل التأسيس لهذا المنطلق ارتأينا هنا بما ميز به كل من هردر وكنط تصورهما للتاريخ عندما صرحا، في إطار السجال الذي قام بينهما، بأن المهم ليس ما يختلفان فيه، بل المهم –في نظرهما- هو أن لا تصير فلسفتهما للتاريخ على "طريق ابن رشد" الذي تصور "التقدم" على أنه عملية تتم على صعيد النوع الإنساني، بينما يرى هذان الفيلسوفان أن التاريخ الذي هو مسرح للتقدم والذي يشكل موضوعا لفلسفة التاريخ، هو التاريخ البشري كما يتشخص في الحضارات المتعاقبة.

لقد دعا هردر وكنط إلى تدشين قطيعة مع ابن رشد فلماذا لم يفعل هذا الأخير مثلا ذلك مع أفلاطون مع أنه خالفه في مسألة أساسية، وهي ربطه ليأسه –يأس أفلاطون- من إقامة "المدينة الفاضلة" على الأرض بينما يرى ابن رشد، بأن ذلك ممكن في زمننا هذا وبلدنا هذا» يقصد الأندلس في عصره ؟ لقد وضع كنط قطيعة مع المفهوم الدائري حول التاريخ (الذي يعيد نفسه) كما تمثله القدماء (اليونان والعرب المسلمون ابن خلدون وابن رشد) فهو أول فيلسوف أدخل بصورة حاسمة مفهوم التقدم في التاريخ ". وذلك نتيجة "للتحول التاريخي الكبير الذي عرفته أوربا خلال تلك المرحلة، الثورة العلمية (نيوتن)، الثورة الصناعية في بريطانيا والثورة السياسية- الاجتماعية في فرنسا."

...إن نقل مفهوم "التقدم" إلى ميدان التاريخ... كان يعني إعادة بناء التاريخ بالصورة التي تجعل من الحاضر، وبالتالي المستقبل نتيجة طبيعية للماضي. ومن هنا دخل الماضي لأول مرة في التاريخ، كعنصر ضروري لكل تفكير في المستقبل، وصار التفكير في الماضي، أي كتابة التاريخ، موجها هو الآخر بحاجة المستقبل إليه. وبدون هذه الشهادة للماضي لفائدة المستقبل، وحاجة الماضي نفسه إلى إسقاط المستقبل عليه لم يكن من الممكن التبشير لمستقبل للإنسانية تتحقق فيه الحرية والعدالة وكل صنوف التقدم كما فعل كنط وفلاسفة الأوائل. ما هي حقيقة العلاقة بين ابن رشد من جهة وهيردر وكنط من جهة أخرى بصفتهما مؤسسان لفلسفة التاريخ في الفكر الحديث،كيف فكر الفلاسفة الألمان في فلسفة التاريخ تحت مظلة ابن رشد ؟

كان كنط قد كتب في نوفمبر من سنة 1784 مقالة بعنوان "فكرة من أجل تاريخ عام من منظور كوني" عرض فيها وجهة نظر جديدة في التاريخ تقوم على فكرة التقدم وهي الفكرة التي تأسس عليها الفكر الأوروبي منذ ذلك الوقت، فقال : «إن التقدم يسري عبر التاريخ بخطى بطيئة ولكن متصلة، وأن هذا التقدم يتم على مستوى قدرات الإنسان الأصلية وأنه لا يظهر بصورة صريحة في الفرد بل هو يتحقق في النوع الإنساني».

ومن جهة أخرى كان معاصره هردر قد شبه الحياة الإنسانية بالكائن الحي الذي وضع تصميمه بحيث يتمكن من خلق كائنات عليا تنمو من داخله، فانتقد كنط هذا التصور وقال عنه : إنه يحمل جميع عيوب "الفلسفة التأملية" التي يتجاوز طموحها حدود العقل الإنساني؛ فرد عليه هردر منتقدا فكرته حول النقد الذي قال عنه : إنه "يتحقق عبر النوع الإنساني" فكتب في مؤلف "أفكار من أجل فلسفة لتاريخ الإنسانية 1785 "إذا قال شخص بأن ما يجب تربيته ليس الإنسان الفرد بل النوع البشري، فهو بالنسبة لي كلاما لا معنى له، فالجنس والنوع مفهومان مجردان لا يتحقق لهما وجود إلا في الأفراد" "ينبغي أن لا نترك فلسفتنا للتاريخ تقوم بمغامرة على شعاب فلسفة ابن رشد".

وقد دافع كنط عن فكرته ضدا على النقد الهردري قائلا بأنه لم يقصد أن النوع يتحقق بصفة كاملة في الفرد، وإنما يقصد أن الفرد البشري يمكن أن يتقدم تدريجيا ويقترب من أن يتحقق فيه النوع، ولكن دون أن يتحقق يوما تحققا كاملا.

"ومهما يكن فإن سوء التفاهم، الذي أبرزناه في المقطع التالي أعلاه، لا يعدو أن يكون أمرا تافها، والأهم من ذلك خاتمة المقطع التي نقرأ فيها قول هردر : "ينبغي أن لا نترك فلسفتنا للتاريخ تقوم بمغامرة على شعاب فلسفة ابن رشد".

غير أن القاسم المشترك بين هردر وكنط هو أنهما" يريدان أن يكون موضوع فلسفة التاريخ هو التاريخ البشري الحي الذي يصنعه الأفراد، أما التاريخ العام أو الكوني الذي يتحدثان عنه فيجب ألا يفهم منه النوع الذي هو مقولة فلسفية مجردة، لا وجود لها في الواقع، بل المقصود هو الإنسانية في تاريخها المشخص عبر القرون والأجيال."

إن الذي يتابع السجال الهرديري الكانطي، قد يظن أن الرجلين، بالنظر إلى الرهبة التي يشعر بها الواحد منهما من الآخر، يمكنه أن يفهم بأن قواعد الاحترام  كلها تهاوت بين المعلم و المتعلم. و ذلك غير صحيح، بالرغم من أن هذا السجال، كان يأخذ أحيانا طابعا حادا. حجة ذلك ما كتبه هردر، ضمن البورتريه الذي رسمه لكانط. فهو استهله بالقول: "بعرفان للجميل ، أذكر بأنني سبق لي أن عرفت و تلقيت التعليم في شبابي، على يد فيلسوف كان بالنسبة لي معلما حقيقيا  للإنسانية".

ومع ذلك أصبحت المساجلة بين هيردر وكنط عنيفة أكثر فأكثر، وأخذت طابعا شخصيا، ففي "ميتا نقد لنقد العقل الخالص" "Meta critique de la critique de la raison pure" (1799) رفض هردر الإستطيقا الكنطية التي اعتبرها قبلية بشكل مغالى فيه. وفي مركز تصوره الاستطيقي الخاص المتبلور في كتابات كثيرة، على امتداد حياته (وبالخصوص ضمن "بلاستيك Plastik، 1778) توجد من جديد فكرة الإنسانية، فإذا كان العمل الفني يرتبط بالشروط الاجتماعية والتاريخية لحياة الشعب" التي ظهر هذا العمل الفني ضمنها، فهو  يبين، مع ذلك، أيضا بأن ما يعبر عنه في ذاته، ليس شيئا آخر، غير فكرة الإنسان، وذلك في كل مرة ينتج فيها في شكل مغاير، وبالنسبة إليه، فإن العمل الفني، هو بالفعل دوما، تعبير عن: "القوة الخلاقة" "La force créative"  (energeia) لفنان متجذر في حياة شعبه بقوة "قوة" لا يتورع هردر أن يجعل منها قوة إلهية.

ملـــــحق:

من هو هردر؟

في السيرة الفلسفية التي كتبتها بعد أن انتهيت من العرض، اعتمدت على مصدر وحيد، هو قاموس الفلاسفة Dictionnaire des philosophes   الذي ألفه دينيس ويزمان Denis Huisman  ، و هو غني عن التعريف في أوساط التأليف الفلسفي بفرنسا.

هردر (1744 – 1803)

فيلولوجي ألماني، ناقد للفن و  الأدب ، و شاعر ترجع أصوله إلى أسرة ورعة من بروسيا الشرقية، درس الفلسفة و الثيولوجيا  بكونيغسبيرغ ، حيث تابع في سنة 1762 محاضرات كانط ، التي عكست أعمال هذا الأخير ما قبل النقدية "التاريخ الكوني للطبيعة  و نظرية السماء"  ، لكن أيضا "الأساس الفريد الممكن للبرهان على وجود الله" ، و كانت قد أثرت فيه لمدة طويلة. كما كان مأخوذا بشخصية الثيولوجي هامان J . G . Hamann (1730 – 1788) الذي علمه حسن تقدير شكسبير و اللسان الإنجليزي ، و أيضا أوسيان  و الشعر القديم الهنغاري و السكوتلاندي: منذ هذه الحقبة، بدأ هردر باقتطاف النماذج من الشعر الشعبي الذي اهتم به طيلة حياته، من أجل نشره، ترجمته و نشره. إنه هامان أيضا الذي أوكل لهردر مكانته في الرهبانية لأول مرة، كمبشر و معلم في مدرسة بالميناء الروسي ريغا Riga  سنة 1764 . و بهذه المدينة، حرر هردر أولى أعماله الهامة: "شذرات حول الأدب الألماني الجديد" Fragments sur la nouvelle littérature allemande  (1766 – 1767) و "غابات نقدية" (1769) .

لقد طور هردر أيضا أفكارا أصيلة، ما دام أنه صاغ مشروع "تاريخ براغماتي للأدب" Histoire pragmatique de la littérature   ، كما قدم كذلك اللسان كأحد أسس تطور الأدب ، مسطرا على أن فيه تعبر العبقرية الخاصة بكل شعب عن نفسها ،     و أن على الشاعر  أن يعبر عن ذاته من خلال لسانه الأم، ليس لأن هذا الأخير يمثل قيمة في ذاته و إنما لأنه ، على هذا النحو، يمكنه التأثير بشكل أفضل في "الإنسان المشترك" L’homme commun. و في الشعب ، هذا الجزء "الأكثر نبلا للإنسانية" .

فضلا عن ذلك ، انتقد هردر المفاهيم الإستيطيقية القديمة ، المعروفة على الخصوص، بقاعدة المحاكاة . و على إثر ذلك قام بسفر طويل في الخارج. و قد قاده إلى نانت.و وصف انطباعاته ، في ذلك الحين ضمن صحيفة سفره في سنة 1769 ، التي تحتوي على إعلانه عن عدد من مشاريعه المستقبلية، ثم إلى باريز حيث التقى بالموسوعيين، و إلى هامبورغ و دارميستادت، حيث تعرف على زوجته المستقبلية (تزوج هردر سنة 1773 ، و أنجب ثمانية أطفال، من بينهم  سبعة أولاد ) . إلى ستراسبورغ، حيث صادق الشاب  غوته ، و فيها حرر مؤلفه "رسالة حول أصل اللسان" Traité sur l’origine de la langue، المتوج بجائزة أكاديمية برلين عام 1771 ، و فيه اتجه إلى السؤال الذي طرحته الأكاديمية ، و المتعلق بما إذا كان البشر المحرومون من قدراتهم الطبيعية قادرين على ابتكار اللغة . قام جواب هردر، ليس فقط على رفض التفسيرات الثيولوجية ، التي أدار ظهره عنها (مثل تفسير سوسميلش Sussmilch ) و التفسيرات ذات النزعة الطبيعية (كما هو الحال عند كوندياك ) حول أصل اللسان، و إنما على الخصوص، على رسم  الدائرة، التي أغلق كل أولئك الذين يعتقدون بأنهم يعرفون أصلا ما للسان ، على أنفسهم داخلها. إننا لا نستطيع تفسير أصل اللسان دون أن يكون من اللازم علينا أن نفترضه بشكل قبلي، على الأقل بوصفه قدرة أو استعدادا ، قدرة خاصة يسميها هردر "النجاح في الكلام والسلوك" Bersonnenheit (circonspection).

هذا الجواب المشهور يخضع اليوم لتأويلات متعددة، إذ يربطه البعض بالتصور الترانسندنتالي الكانطي ، و يرى فيه البعض الآخر بالأحرى تعبيرا عن الأنتروبولوجيا، لكن الذي أثار المعاصرين أكثر  لتلك المرحلة ، كان هو النقد الموجه للاهوتيين . نقد مذهل، لم يأت من شخص آخر ، غير أحد اللاهوتيين .

هكذا كانت "ثيولوجيا" هردر و نشاطه التبشيري، مع ذلك ، دائما غير متفق عليه، إلا فيما ندر . و تطبع السنوات التي قضاها ببوكيبورغ Buckeburg    ( 1771 1776 )  يقينا ، تحولا دينيا في حياة القس الذي ارتبط بعلاقة صداقة جمعته بالثيولوجي السويسري لافاتير Lavater، و حرر هو نفسه سلسلة من الكتابات الثيولوجية كانت من بينها" الوثيقة الأكثر قدما حول النوع الإنساني Le plus ancien document du genre humain في سنة 1774 ، الأقل أورثودوكسية  إلى أقصى حد ممكن.وفي "شذرات من أجل أركيولوجيا للغرب 1772أعطى هردر تأويلا أقل دوغمائية لحكاية "الخلق"،وقدمها كقصيدة ،أي كمنتوج للخيال الشعبي الشاهد بالخصوص على حقبة من تطور الإنسانية ،وهي غير قابلة للترجمة إلى لسان مفاهيمي.

و حتى في بوكيبورغ،كان موقفه حيال الإنجيل بعيدا عن أن يكون أورثودوكسيا :ألم يثبت أن الله ينكشف ،ليس فقط في الإنجيل ،وإنما أيضا في عمله نفسه ،أي العالم؟ ألم يربط الكتب الإنجيلية ب"روح "ونمط التعبير الشعري للشعب اليهودي،كما فعل ذلك أيضا في"روح الشعر العبري"،أحد كتبه الأكثر شعبية،المنشور بشكل متأخر،ما بين عام1782 و1783 ؟

يقترب هردر ،على هذا النحو من هامان ،منتقدا أساسا الثيولوجيا العقلانية.وإنتقاداته هذه هي التي حالت دون نيله منصب أستاذ  في الثييولوجيا بغوتينغن .

وفي بوكيبورغ حرر هردر"فلسفة أخرى للتاريخ من أجل المساهمة في تربية الإنسانية"Une autre philosophie de l’histoire pour contribuer à l’éducation de l’humanité ،وهو عمل هام أمكن اعتباره كواحد من المصادر الكلاسية للتاريخانية ،وفي هذا العمل عارض هردر اعتقاد فلاسفة الأنوار مثل فولتير واسحاق إيزولانIsaac Iselin في تفوق عصرهم "المنور "على كل العصور الأخرى للتاريخ .وقد وضع هردر النقط على الحروف حول المساواة في قيمة العصور الماضية،وبشكل خاص العصر الوسيط،مشيرا إلى أن لكل عصر وكل أمة فردية خاصة،يجب أن يكون الحكم عليها بحسب المعايير الخاصة بذلك العصر وبتلك الأمة .

لكن إذا كان هردر يرفض المعتقد المتفائل في تقدم خطي للإنسانية ،فهو انتقد أيضا المذهب الشكي لفولتير، وأخذ ثانية فكرة مسيرة إلى أمام للإنسانية ،مؤولا تطور الإنسانية انطلاقا من مقارنة بين مراحل الحياة :في كل عصر،كل مرحلة، تنعكس الإنسانية في كليتها ،كما لو أنها عضوية نباتية أو إنسانية. كل ثقافة ستكون لها مكانتها وقيمتها المستقلة، بالقياس إلى نظيراتها من الثقافات الأخرى:ينأى هردر هنا عن اتخاذ العصر الوسيط كمثال يحتذي به ، كما يبتعد في الوقت نفسه عن طلب ترميمه أو إصلاحه .

نفس التيمات الأساسية موجودة في "أفكار من أجل فلسفة تاريخ الإنسانية "،العمل الأكثر شهرة، بدون شك لهردر ، وهو محرر ومنشور في وايمار (1784-1791.)التي ظل بها حتى وافته المنية .

انطلاقا من صداقته مع غوته فقط ينبغي فهم عمله الكبير التي توجد فيه كل مشاريعه السابقة:فلسفته في التاريخ، لكن أيضا تصوره حول اللغة والأدب، فلسفته حول الدين، وفلسفته حول الطبيعة. وبالفعل، ليس فقط في التاريخ أو مجال الأخلاق لكن أيضا في الطبيعة ،رأى هردر التعبير عن "القوة الأكثر كمالا لطيبة وحكمة الله ". وقد استلهم هنا مثل غوته، اسبينوزا، الذي كان  يعرفه مند عام 1769. وفي كتابه المعنون ب"الله" (صدرت الطبعة الأولى عام 1787 والثانية في 1800)، دافع بإسهاب ضد اتهام بإلالحاد موجه إليه من طرف جاكوبي ،في رسائل حول "مذهب  اسبينوزا" (1785) لقد أصبح  هردر علامة بارزة للحلولية Panthéisme التي ألهبت العقول في ألمانيا على مدار قرن،ضد فكرة إله شخصي وخارجي عن العالم ،لكن غير قابل لأن يتوصل إليه من قبل الفهم الفلسفي وأعطى  القيمة للطابع الإلهي للطبيعة، ولعالم الطبيعة نفسه المتصور كنشاط مقدس :إن الله لا يتدخل في العالم بواسطة المعجزات ،إنما من خلال قوانين ينبغي معرفتها. انطلاقا من الطبيعة نفسها، وليس من الكتب الإنجيلية ، طور هردر في مؤلفه "أفكار" "   Idées"  نشأة السماء والأرض،وبعد ذلك تكوين النوع الإنساني." ـ باحثا عن توحيد الكوسمولوجيا بالأنثروبولوجيا ـ وبعد ذلك بالتاريخ. وهو يتجه في هذا الدرب، سطر هردر كم يعد الإنسان قريبا من الحيوان، وقد أثبت أن الإنسان بطبيعته نفسها، على الأقل، "منظم" بشكل مختلف عن الحيوان، لكن ما يتمظهر في هذا "التنظيم" هو قوة متماثلة مع تلك التي تتمظهر عنذ الحيوان: إذ يرى في الخلق سلسلة من الكائنات المنظمة بشكل كامل أكثر فأكثر، والمحكومة بتماثل أساسي في الشكل، وعن طريق فرضية مستلهمة قد لا تنبني حول "قوى عضوية" غير مرئية، داخلية في كل مخلوق، غير أنها كلها تعبر، في  خاتمة المطاف، عن القدرة الكاملة لله. هكذا اعتقد هردر بأنه استطاع أن ينتبه إلى محايثة الله للعالم، كما أثبت أيضا وحدة الروح والجسد، وهو موضوع كان قد عالجه في سنة 1778 ضمن "المعرفة والحساسية في الروح الإنسانية De la connaissance et la sensation dans l’âme humaine"

في التقرير الذي أنجزه عام 1785 عن الجزء الأول من "أفكار" هاجم كنط بعنف هذا المعتقد الميتافيزيقي، ومن ثم فرضية وجود قوى عضوية لا مرئية ــ أي هذا السعي إلى "تفسير ما لا نفهمه بما نفهمه بشكل أقل أيضا" ــ متجاهلا تماما ما يمكن أ ن نفهمه من دلالة  لهذه الفرضية في منظور اسبينوزا، الذي يتقارب مع تصور هردر، لكن رافضا أيضا فلسفة التاريخ عند الأخير،  وقد ألف هذا المدافع عن المذهب النقدي في سنة 1784 "فكرة عن تاريخ كوني من وجهة نظر كوسموبوليتيكية Idée d’une histoire universelle d’un point  de vue cosmopolitique".

 رد هردر على هذا الكتاب في الجزء الثاني من مؤلفه "أفكار" حينما انتقد الدور الذي أسنده كنط لموضوعة "النوع الإنساني" في تصوره حول التقدم التاريخي، ملحا من جديد على القيمة الخاصة لكل مرحلة ولكل شعب فردي. وبالنسبة لهردر "إذا أرادت الفلسفة أن تصبح نافعة للإنسان، عليها أن تتخذ منه مركزها..." إن الإنسانية بالنسبة إليه هي "الدين الأسمى للإنسان...".

بيبليوغرافيا

1-   محاضرات الدكتور مصطفى حنفي برسم الموسم الجامعي 2011-2012 لفائدة طلبة الفصل الأول لقسم ماستر فلسفة التواصل

2-   ماكس كيسون: تنوير هردر ضمن مجلة Terrain العدد 17 أكتوبر 1991 ص 17-28

3-   محمد عابد الجابري: مقالة بعنوان "الماضي والمستقبل أيهما يحكم الآخر" منشور www . aljabriabed .net n°51-02 jab-pass.htm-4-

4-   الكاتب يوهان كوفريد هردر، ضمن "قاموس الفلاسفة" تحت إشراف دينيس وايزمان Denis Huisman

5-   يوهان غويتفريد فون هردر: كنط بايل، سويفت، ثلاثة بورتريهات، منشورات المجلة الجرمانية الدولية Revue germanique internationale العدد 20-2003 ص 167-181 ترجمة إلى الفرنسية بيير بينيسون  

6-   Pierre pénisson

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت