نحو قراءة جديدة لفكر مكيافيللي

                                                               سي محمد رفيق          

 

 

      يجد الباحث في تاريخ الفكر السياسي إجمالا، وفي فكر "مكيافيللي" منه على وجه الخصوص، نفسه قبالة سيل من الدراسات والأبحاث، يبقى القاسم المشترك بين أغلبها - خاصة في بدايات ظهوره- النظر إلى هذا الفكر نظرة زراية واحتقار يصحبهما كراهية واستصغار لشأن صاحبه؛ اللهم بعض الدراسات المعاصرة لغرامشي ومونان… آخرها إصدار مجلة "Le Nouvel Observateur" عددا (العدد:66) خاصا ب: "مكيافيللي" غشت 2007، وغيرها من الدراسات التي حاولت إنصاف الرجل. الذي لم يعمل في حقيقة الأمر سوى على تعرية الواقع السياسي وكشف حقائقه؛ لكن هذه الحقائق كانت صادمة لمن اطلع عليها في بادئ الأمر خاصة رجال الدين، الذين رأوا في أنظاره هرطقة وخروجا عن الصواب، لذلك لم يألو جهدا في سبيل وأدها والحد من انتشارها، بل وإصدار مرسوم بإحراق كتبه، مع التنكيل بصاحبها ووسمه بأشنع وسم يكون؛ فهذا "موريس جولي" (1829-1878) وهو رجل دين مثلا، كتب كتابا يصور فيه "مكيافيللي" و"مونتسكيو" في حوار بجهنم. إلا أن هؤلاء - إلى حد ما- معذورون؛ لكن أن يشنع عليه في مجالات أخرى لا تمت إلى الأولى بصلة كالفن والأدب… وأن يصير رمزا للسخرية ولكل ما هو خبيث فهنا مكمن الغرابة، ليس هذا فحسب، بل الأنكى والأمر من هذا كله أن الصورة النمطية التي رسمها هؤلاء ظلت هي نفسها على امتداد قرون، بل لازلت تجد لها صدى كبيرا في عصرنا هذا.  حيث صار في عدد من الأعمال الفنية والأدبية مثالا للسخرية وللخداع، وكذا للشر ولكل ما هو خبيث؛ فهذا "شكسبير" يقول في روايته "زوجات وندرسور المرحات" على لسان إحدى شخصياته: "ماذا أأنا مخادع… أأنا مكيافيللي"(1)، وهذا "بترفيلد" قال عن كتاب "الأمير" بأنه "كتاب مدرسي للمستبدين"(2) وصارت كل عبارة تناقض الأخلاق إلا وتنسب له وتحسب عليه، بيد أن المخزي هنا هو أن هذا التصور- الذي جار على "مكيافيللي"

 وما أنصفه- استفشى بين صفوف الناس، ووجد صدى كبيرا وآدانا صاغية بينهم. وإن وجدت بالمقابل بعض المواقف الأقل تعصبا مقارنة مع سابقتها، والقائلة بأن لا إمكان لفهم النص المكيافيللي إلا ضمن السياق التاريخي الذي ورد فيه، أي ربطه بما شهدته إيطاليا إبانها من ضعف وانحلال جعلها محط أطماع غيرها من الدول. لكنها ظلت مع ذلك أقرب إلى ما روج له هؤلاء من أن "مكيافيللي" ضرب صفحا عن الأخلاق وأنه عزل هذه الأخيرة عن السياسة عزلا تاما؛ بل تذهب إلى حد القول بأنه داس على الأخلاق؛ ولا يكفي المرء للتدليل على  ذلك غير قراءة كتبه ليجدها حبلى بعبارات ومواقف مناهضة تماما لكل ما تقوم عليه الأخلاق من مبادئ وقيم من قبيل: استمرائه واستعذابه القتل والبخل ونكران الجميل وعدم الوفاء بالعهود…إلخ، فضلا عن إقامته تصوره ككل على مبدأ العبرة بالغاية أو النتيجة لا بالوسائط المعتمدة في سبيل تحقيق ذلك. وهذا أمر يشفع لهم فيه تبني أكبر مستبدي العصر الحديث لأفكاره، فهذا "هتلر" (1889-1945) جعل من كتاب "الأمير" أنيسه في نومه، وهذا "موسوليني" (1883-1945) اتخذه موضوع أطروحته…

      غير أن هذا التصور وإن قال به منتقدو "مكيافيللي"، فإن من نصبوا أنفسهم حماة له وجعلوا من أنظاره مذهبا سياسيا، هو ما صار يعرف بالمكيافيللية قد أساؤوا إليه أكثر من هؤلاء، والإذاية من الصديق أشد من الإذاية من العدو كما يذهب "ابن رشد" إلى القول؛ فهم لم يعملوا في حقيقة الأمر سوى على ترسيخ ما قال به المعترضون على أنظاره، التي أولت التأويل عقب التأويل، والبعيدة كل البعد عما روج له هؤلاء المؤولة على اختلاف مشاربهم، والذين يجمع بينهم القول: بأن السياسة عن الأخلاق بمعزل، وأن كل  محاولة تروم الجمع بين هذين النقيضين مآلها الفشل ولن تعرف طريقها إلى التحقق على أرض الواقع، بدعوى أن منطق السياسة غير منطق الأخلاق. الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: ما طبيعة تصور "مكيافيللي" عن العلاقة بين الأخلاق والسياسة؟ هل هي علاقة اتصال أم علاقة انفصال؟ إن كانت علاقة اتصال، فما طبيعته وما حدوده؟ وإن كانت بالمقابل علاقة انفصال، فهل فعلا يمكن تصور سياسة بدون أخلاق؟ ثم هل انفصال السياسة عن الأخلاق، هو انفصال جملة وتفصيلا أم الضد؟ وغيرها من الإشكالات التي سنحاول من جهتنا مقاربتها والبحث فيها.

      صحيح أن "مكيافيللي" صادم في كتاباته، وأن معظم أفكاره جاءت مخالفة للمتقدمين عليه، وهذا أمر جدير بالذكر، لكن القول بأنه أقام مسافة وبونا شاسعا بين السياسة والأخلاق، وأنه قطع كليا مع الأخلاق، قول فيه شيء من المبالغة والمجازفة إن لم نقل قول مغلوط. ما قام به "مكيافيللي" على وجه التحقيق، أنه أتى بتصور جديد عن إشكال العلاقة بين الأخلاق والسياسة؛ تصور يمكن تحديد معالمه بوفق ما يلي:

      ● ما كانت السياسة عن الأخلاق بمعزل، لا ولا ينبغي لها أن تكون، و كل سياسة تتغاضى عن هذا الأمر، ولا تعير الأخلاق أدنى أهمية فيما تقدم عليه من أعمال - كأن تجعل من سفك دماء المواطنين، والتنكر للعهود والخيانة، سبيلها الأوحد والأدوم في جميع سلوكاتها وممارساتها- مآلها إلى الزوال وإن تحقق لها السلطان. نعم: " قد يستطيع المرء بواسطة مثل هذه الوسائل أن يصل إلى السلطان[ولا نقيصة في ذلك]، ولكنه لن يصل عن طريقها إلى المجد"(3) ، ولن يكتب لعهده الاستمرار،كما أنه لن تنعم بلاده بالاستقرار؛ ذلك أن ممارسات كهاته غالبا ما تكون مثار سخط الناس والباعث على غضبهم نتيجة عجزهم، والعجز لا يولد سوى العنف، مما يفسر تفشي الفوضى والاضطراب؛ أي أننا نصير أمام تصدع داخلي يسهل معه على كل راغب في التوسع تحقيق بغيته. كل هذا يتنافى طبعا مع ما يصبو إليه "مكيافيللي" من رؤية إيطاليا آمنة وحرة وموحدة وأن تركب هي الأخرى مراكب العظمة والمجد، وهذا لن يتحقق لها بما تقدم ذكره وإنما باقتطاعها جزءا من دائرة سياساتها وأن تخص الأخلاق به. فهو وعيا منه لما لهذا العامل - أي الأخلاق- من دور في خدمة مشروعه، وما لإغفاله من انعكاس سلبي على ذلك، أكد بأن على السائس مع اعتياص ذلك، إن لم نقل تعذر توفيقه بين ما تمليه قواعد الأخلاق وبين حقيقة الممارسة السياسية، أن يتظاهر على الأقل باتصافه بالفضائل؛ مع التنبيه إلى أنه " من الخير أن [يتظاهر السائس] بالرحمة وحفظ الوعد والشعور الإنساني النبيل والإخلاص والتدين، وأن [يكون] فعلا متصفا بها. ولكن [عليه أن يُعد نفسه]، عندما تقتضي الضرورة [ليكون] متصفا بعكسها"(4)؛ أي شريطة ألا يعوقه ذلك على إتيان ما يقابلها من رذائل.                             

     ● إن القول بعدم فصل "مكيافيللي" السياسة عن الأخلاق، لا يفيد أنه جعل من هذه الأخيرة حذوة ينبغي أن تحذو حذوها كل سياسة، وإنما الأمر بالضد، ما قصدناه بذلك هو أنه احتفظ بهذا المكون نظرا لأهميته، لكنه شرّع لأخلاق جديدة، أخلاق مرنة، أخلاق طيعة، أخلاق من شأنها الدفع بالسياسة لا أن تقف حجر عثرة في وجهها. هذا هو جديد تصور "مكيافيللي" عن العلاقة بين الأخلاق والسياسة، تصور يمكن اختزاله في عبارة: "تسييس الأخلاق"، أي جعل الأخلاق سخريا للسياسة، وأن تكون خاضعة لمنطقها ولما تعرض له مستجدات الأيام والأحوال. وهو تصور قام ضدا على القائلين ب: "تخليق السياسة"؛ أي الذين يجعلون الأخلاق غاية كل سياسة، وسيفا مسلطا على كل ممارسة؛ فقول كهذا لم ولن تقوم له قائمة اللهم في الخيال، إذ أنه لا يتوافق وطبيعة الممارسة السياسية، ناهيك عن أن قيمته لا تراوح التنظير فهو محض تنظير لا غير. وبالجملة، ما كان "مكيافيللي" منكرا لكل أخلاق، بل كان للأخلاق الكلاسيكية التي تريد أن تحكم السياسة منكرا.                                                                       

      ● تبقى السياسة في نهاية المطاف جملة سلوكات وممارسات، وما الأخلاق عن ذلك ببعيد، فكلاهما تنشدان التأسيس لنمط معين من السلوك والعلاقات الإنسانية، وترومان خلق مجتمع يعيش ذووه في أمن وطمأنينة وحرية، فالمقصد واحد وإن اختلف سبيلهما إلى ذلك. فضلا عن أن ثمة تداخلا وتعالقا بين السياسة والأخلاق، حيث إن هذه الأخيرة كما يذهب المفكر الفرنسي المعاصر "ريمون بولان" إلى القول: " ليست هي التي تنجب الحق، بل الحق هو الذي ينجب الأخلاق، والخير والشر وهما قيمتان أخلاقيتان يخضعان لحكم العدل والظلم وهما قيمتان سياسيتان"(5). ومن ثم، فإن الباحث في

 أسباب انتهاض بلد ما أو تقويم حاله، عليه أن يدخل هذا الأمر ضمن جملة اعتباراته، وألا يهمش أو يغفل أحد هذين المستويين - خاصة الأخلاق-؛ وهذا ما وعاه "مكيافيللي" أشد وعي وأكد عليه إما ضمنا     أو صراحة، لذلك تجد أن تصوره عن إشكال العلاقة بينهما لا يقوم على إقصاء أو نفي أحدهما للآخر، إنما يتعلق الأمر بتقدم هذا على ذاك. ذلك أن الحديث عن الأخلاق ليس حديثا عن أمر عارض يكفي للقطع معه بجرة قلم، وإنما هو حديث عن إرث ثقافي توارثته الأجيال جيلا بعد جيل، بمعنى أننا أمام تراكم تاريخي من العسير الفكاك منه أو القطع معه بشكل كلي؛ ولعل هذا ما حمل "مكيافيللي" - خلاف ما حيك عنه- على الاهتمام بهذا الموضوع وعدم إغفاله لكن على نحو مناقض لسابقيه كما سبقت الإشارة إلى ذلك.                      

     تحقق مما تقدم أن لا إمكان للحديث عن فصل تام للسياسة عن الأخلاق لدى "مكيافيللي"، بل إن ثمة وشائج صلة بين هذين المكونين. كما أن كل محاولة تبتغي مقاربة هذا الإشكال عليها أن تأخذ، بدءا، بالعوامل والظروف التي تولد عنها هذا الفكر، والتي لا يمكن فهمه فهما صحيحا إلا داخلها ومن خلالها؛ كما أنه يجب ألا تقتصر، تثنية، على فقرات من المتن المكيافيللي لتنسج أفكارا وأحكاما قد تكون عن حقيقته وعن مقصد صاحبه بمنأى ومبعد، وإنما يلزمها أن تنظر إليه قي شموليته وفيما قصده فعلا. ناهيك عن ضرورة النفاذ إلى عمق وروح هذا النص بدل الوقوف عند حدود الحرف.                 سي محمد رفيق    

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.t35.com                  

    --------------------------------------

(1) كتاب "الأمير". ص: 26  

  (2)كتاب "المطارحات".  ص: 150

  (3)كتاب "الأمير", ص: 98

(4) كتاب "الأمير". ص:150.

(5) ريمون بولان، "الأخلاق والسياسة". ص: 241

 

قائمة المصادر المعتمدة

 

1. نيقولو مكيافيللي، "الأمير"، ترجمة خيري حماد، بيروت: دار الآفاق الجديدة، الطبعة الرابعة والعشرون: 2002.

2. نيقولو مكيافيللي، "المطارحات"، ترجمة خيري حماد، بيروت: دار الآفاق الجديدة، الطبعة الثالثة: فبراير1982.

3. ريمون بولان، "الأخلاق والسياسة"، ترجمة عادل العوّا، دمشق: طلاس للدراسة والترجمة والنشر، الطبعة الأولى: 1988.   

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

 

 

عودة إلى صفحة الدراسات

رجوع إلى صفحة الاستقبال