الأخلاق المؤقتة عند ديكارت

                                                                                                                                         محمد الخشين

 

 

تمهيد

سبق لي، أكثر من مرة، أن فكرت بيني وبين نفسي، في تصور روني ديكارت حول "الأخلاق المؤقتة"، وكان يخطر في ذهني، دائما، أنه تصور متناقض مع اللحظة الشكية من جهة، ومع مذهب "الأنا وحدية" من جهة أخرى. إذ يقتضي تطبيق المنهج ــ خصوصا القاعدة الأولى التي تفرض عدم قبول أي شيء على أنه حق، ما لم يتسم بقدر من الوضوح والتميز، ما يمنع من وضعه موضع الشك ــ الارتياب في العادات، التقاليد، القوانين والقيم الأخلاقية السائدة  في العصر الذي عاش فيه هذا الفيلسوف، الموسوم بالحديث، وفي صلاحيتها، وعلى الأخص تلك التي ترتبط بمجتمعه الفرنسي.

الحاجة إلى "أخلاق مؤقتة" نابعة من عدم قابلية الأخلاق للتأجيل. وهذه القضية تفرض ضمنيا الحاجة إلى الغير، وعدم قدرة الأنا على كفاية نفسه بنفسه، مما يجعل ادعاء مذهب "الأنا وحدية" باطلا.

 إذا كان ديكارت، أبو الفلسفة الحديثة، وعالم الرياضيات، لا ينتبه إلى هذه النقيصة التي تعتري شكه، أو بالأحرى تطبيقه لقاعدة البداهة في الأخلاق، مثلما لم يعر بالا لتناقض الحاجة إلى الأخلاق، كيفما كانت هذه الحاجة، مؤقتة أم نهائية مع فكرة كفاية الأنا لنفسه بنفسه، بصفته جوهرا قائما بذاته، فإنه، ربما، قد يبدو "كرياضي خيل إليه أنه فيلسوف"، كما ورد، بالبند العريض، في الصفحة الأولى من أحد أعداد "ماغازين ليتيرير" التي كانت هذه الأخيرة قد خصصته لهذا الفيلسوف الفرنسي ذائع الصيت. وقد اعتمدت في هذا العرض على الترجمة التي أنجزها الدكتور جميل صليبا لمؤلف ديكارت الشهير ب"مقالة الطريقة". صدرت هذه الترجمة عن اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع ــ بيروت. سنة 1970.

لماذا الأخلاق "المؤقتة" وليس "النهائية"، أو لماذا لم يرجع ديكارت إلى مسألة الأخلاق بعد تبدد شكوكه، قصد إنهائها؟ ما هي مبادئ أو قواعد الأخلاق "المؤقتة" ؟

1-  ملاحظات حول الفصل الأول "مقالة الطريقة"

في التمهيد العام لـ "مقالة الطريقة من أجل حسن قيادة العقل والبحث عن الحقيقة في العلوم"، المعنون ب: "ملاحظات متعلقة بالعلوم"، أبرز ديكارت هدفه من تأليف هذا الكتاب، نافيا أن يكون هو تعليم المنهج، معتبرا أنه يريد فقط أن يوضح "على أي نحو" حاول هو نفسه قيادة عقله، ضاربا المثال بأولئك الذين يقدمون على نصح الآخرين، المفترض أنهم أكثر حذاقة ممن يسدونها إليهم، فهؤلاء إن زلوا في نصحهم يستحقون اللوم،. وقد أعرب ديكارت عن أمله، بعد ذلك، في أن تكون مقالته نافعة للبعض، ولا تضر بأحد، متمنيا أن يرضى الجميع لصراحته (ص 81).

إن فكرة ديكارت عن إنجاز عمل خالق للمنفعة وجالب للرضى، تبين مخاوفه من النقمة التي قد تلحقه، من جهة معينة، ربما، يمكن أن تكون هي المؤسسة الدينية، كما تنم عن قيمة الحكم الذي ينتجه الغير عن الأنا، في إشارة ضمنية إلى أنه بقدر ما تكون مشاعر الرضى التي ينالها الأنا من الغير جالبة للسعادة، بقدر ما أن نقمة هذا الغير مجلبة للشقاء، في مثل هذا السياق، لا يتبقى لمذهب " الأنا وحدية" أي مكان، على الإطلاق.

وفي موضع لاحق من التمهيد نفسه، لا يتورع ديكارت عن توجيه ألذع النقد إلى الأخلاق الرواقية: "كنت بالعكس أشبه كتابات الوثنيين القدماء، الباحثة في الأخلاق، بقصور بالغة الجمال والفخامة، لم تبن إلا على الرمل والوحل" وذلك بحكم أنهم جعلوا فلسفتهم تقوم على المناداة بالتجرد من الأهواء والعواطف، وتحمل الآلام الحسية، فهم "يرفعون الفضائل إلى أعلى الدرجات، ويظهرونها أحق بالتقدير من كل شيء في العالم... وكثيرا ما يطلقون أجمل الأسماء على أمر، ولا يكون هذا الأمر إلا فقدان الحس، أو الكبرياء، أو اليأس، أو قتل الأبرياء". يشرح الدكتور جميل صليبا ضمن الهامش الثاني الذي خص به الصفحة 88 من الترجمة التي أنجزها للمؤلف الديكارتي، قيد التحليل، معنى: "فقدان الحس" ويربطه بكون الفضيلة عند الرواقيين تقوم على التجرد من الأهواء، و بــالكبرياء "تأليه الحكيم"، و"اليأس" بتجويزهم للانتحار، وب "قتل الأبرياء" الإشارة إلى قصة قتل بروتوس الذي حكم على أبنائه بالموت وأشرف على تنفيذ العملية بنفسه.

لكن الشك الديكارتي "المتطاول" على الرواقية لم يلحق العلوم اللاهوتية لعصره، وهو ما يكشف عن مفارقة صارخة في الفلسفة الديكارتية، تجعل من شكها المنهجي، مجرد شك محتشم وغير جذري بالمرة. كتب ديكارت "كنت أجل علومنا اللاهوتية وأطمع في الجنة كأي إنسان آخر، ولكني علمت علما مؤكدا أن طريقها مفتوح لأجهل الناس، كما هو مفتوح لأعلمهم، وأن الحقائق المنزلة التي تهدي إلى الجنة هي فوق نطاق عقولنا، لم أجرؤ على إخضاعها لاستدلالات عقلي الضعيف، لاعتقادي أن محاولة الفحص عنها فحصا ناجحا تحتاج إلى أن يمد الإنسان من السماء بعون خارق للعادة، وإلى أن يكون من مرتبة فوق مرتبة البشر". وبعد هذه العبارة، لا يعود القارئ يعرف على وجه الحقيقة، في ماذا شك ديكارت، وهو الغارق في اليقين المطلق الذي جعل منه العجوز الهرم للدوغمائية الأوربية، إذا تكلمنا بلغة كانطية، فهل كان ديكارت، فقط، يتظاهر بالشك ؟

يختم ديكارت الفصل الأول من "مقالته" بعزمه على "عدم الإيمان بصحة أمر إيمانا راسخا... كلما كان هذا الأمر مبنيا على التقليد والعادة"ّ وهو رأي مستمد من مونطاني، في كتابه "أبحاث"، كما أشار الدكتور صليبا ثانية، في الهامش المذيل للصفحة 86، وذلك بالنظر إلى ملاحظته التباين في أخلاق الناس على قدر ما وجده في الفلسفة، ضاربا المثال بما تجمع عليه الأمم العظيمة من أمور مخالفة للصواب، فتبدو له ولمجتمعه مثيرة للسخرية.

ألاحظ في هذا المقطع، عدم مس بالقيم والعادات السائدة في المجتمع الذي عاش فيه ديكارت، فهي لا تثير أي شك في نفسه حول ما إذا كانت محققة أم مجانبة للصواب. وتدفعني هذه الملاحظة إلى الشك فيما إذا كان ديكارت قد فعّل شكه وطبقه بجذرية صارمة. وأفكر في أن عقدة الخوف والرقابة الذاتية على فكره يبرران إحجامه المتحفظ من جعل شكه كاسحا أكثر فأكثر.

وفي دواعي الحاجة إلى قواعد للأخلاق المؤقتة، المنبثقة عن عدم قابلية الأخلاق للتأجيل في الحياة العملية، إبان ممارسة الشك التأملي، الذي يستلزم "تأجيل الحكم" والقيام ب "مسح الطاولة"، شبه ديكارت هذه الحاجة بحاجة الإنسان الذي يريد "تجديد بناء المسكن الذي يقيم فيه... أن يكون له مسكن آخر يستطيع أن يأوي إليه في راحة خلال الزمن الذي يعمل فيه على تجديد المسكن الأول..." فعدم التردد في الأعمال يتعارض مع رغبته في أن يكون سعيدا، ومن هنا كان ديكارت "مكرها" في أن يتخذ لنفسه "أخلاقا مؤقتة"ّ ترتكز على ثلاث قواعد. والحاجة إلى الأخلاق، بالنسبة لي، مثلها مثل، عدم احتمالها للتعليق والسعي إلى السعادة، كل هذه الأشياء، لا تعني سوى أمرا واحدا، هو ضرورة الغير الحيوية لأنا تعاني في ذاتها من خواء أنطولوجي، إذا جازت هذه العبارة الأفلاطونية في هذا السياق.

2- قواعد الأخلاق الديكارتية

القاعدة الأولى:

"أن أطيع قوانين بلادي وعاداتها، متمسكا بالديانة التي أنعم الله علي بالنشوء فيها منذ طفولتي، وأن أسير نفسي في كل شيء آخر تبعا لأكثر الآراء اعتدالا، مما أجمع على الأخذ به في العمل أعقل الذين كان علي أن أعيش معهم" (ص 116)

يتضح من النص السالف، أن الإرادة الديكارتية تعمل في مجال الأخلاق، في استقلال تام عن العقل المتشكك. وتعكس هذه القاعدة الطابع المهادن للفكر الديكارتي حيال السلطة، الدولة، والمجتمع، وحيال المقدس بوجه عام. فهذا الفصل مؤقت، لكن ما يراه المرء ملائما لسعادته في مرحلة ما، غالبا ما يكون هو نفسه في المراحل الموالية. أن يكون الإنسان طيعا، فهذا يوفر عليه نغص العيشة المتمردة، المشاكسة للقيم، أو المنقلبة عليها. ولدفع الأذى عن نفسه فإنه يفكر في التوافق  مع المجتمع وقوانينه، وربما يدعوه ذلك أيضا إلى منافقة السلط الدينية والدنيوية. لهذا، فإن ما اعتبر مؤقتا، أضحى نهائيا، لكون ديكارت لم يعد إلى هذه القواعد فيما بعد، ولو كان قد فعل، لما تراجع عنها. فهي متولدة عن اعتقاده في ما هي السعادة، وهو اعتقاد يكرس موقفا انتهازيا، بالمعنى الذي يستعمله "اليسار" في أيامنا لهذه الكلمة. وحجة ذلك، أنه بالرغم من يقينه من أن الحكمة لم تخل من الحضارات الأخرى (ص 117)، مثل الفارسية أو الصينية، إلا أنه يفكر بعقل عملي ــ أخلاقي براغماتي. إذ يقول في هذا الموضع من مقالته: "فقد بدا لي أنه من الأنفع لي أن أنظم سلوكي وفقا لسلوك الذين سأعيش معهم"، ومن ثم يضمن لنفسه أن مصالحه لن تتعطل أبدا. وهكذا، فإن المرتكز الأول للأخلاق الديكارتية المؤقتة / النهائية، هو الطاعة للسلطة والمجتمع وتلافي التطرف. بهذا المعنى، كل الفلاسفة الذين أتوا من بعده، المحسوبين على الأنوار، يمكن نعتهم بالمتطرفين، بحكم إقامتهم أسس الطاعة على مبادئ العقل، بدل مصالح ذات تبحث عن سعادتها "الأنا وحدية" بطريقة نفعية مبتذلة، كما فعل الفيلسوف الذي اشتهر ب"المنهج الشكي".

القاعدة الثانية:

"أن أكون أكثر ما أستطيع حزما وعزما في أعمالي، وأن لا يكون اتباعي أكثر الآراء شكا، إذا عزمت عليها، أقل ثباتا من استمساكي بها فيما لو كانت مؤكدة". (ص 118)

تتضمن هذه العبارة السابقة مبدأ اتخاذ القرارات، في وقتها، بدون تردد. ولكي يمكن ذلك، وضع ديكارت هنا توافقا أو تساويا، إذا تكلمنا بلغته الرياضية، بين كمية الثبات على الرأي المشكوك فيه، ومقدار الثبات في التمسك بالرأي نفسه إذا كان مؤكدا، أي أن يتبع كل رأي أخذ به، كان مبنيا على العقل، أو فقط لمقبوليته الاجتماعية، ونفعيته الإجرائية. وهذا يدفعه إلى "اتباع أكثر الآراء رجحانا" عندما يتعذر عليه تمييز الأصح منها، علما أن "أعمال الحياة، لا تحتمل في الغالب أي تأجيل" وهي تتطلب منا، من ثم، أن نختار بسرعة، حتى ولو كانت أسبابنا غير عقلانية.

هذه الأخلاق الديكارتية المزعوم أنها، فقط، مؤقتة، والتي بدا بعيد ذلك أنها نهائية، لا تعير انسجام العقل مع نفسه أية قيمة، إذا يتعين على العقل الأخذ بالآراء المشكوك فيها، إن لم يثبت أن نقائضها خاطئة. فيغدو المشكوك فيه صحيحا، وأمرا حقا، بواسطة هذا البرهان بالخلف. وهي أخلاق تتحاشى الندم، وتأنيب الضمير، في حالة ضياع الفرص، لأن هذين الإحساسين يتناقضان مع السعي إلى سعادة "نرجسية".

القاعدة الثالثة:

" من الأجدر بي أن أعمل دائما على مغالبة نفسي، لا مغالبة الحظ، وأن أغير رغباتي، لا أن أغير نظام العالم، وبالجملة أن أتعود الاعتقاد أن لا شيء في متناول قدرتنا تماما سوى أفكارنا" (ص 119).

إن الذات الطيعة تستطيع دائما أن تتكيف مع العالم، وبدل السعي إلى تغيير هذا الأخير، حري بها أن تغير نفسها، على مستوى ما ترغب فيه وتشتهيه. وهي ذات قنوعة تكتفي بما هو تحت تصرفها، تتطلع إلى نيل ما يدخل ضمن قدرتها، فإذا قلصنا رغباتنا وقصرناها على ما هو في استطاعتنا، سوف ننال كل ما نريد أن نناله، ذلك أن الرضى بالأمر الواقع يجعل المرغوب فيه دوما مطابقا لما نريده. تنحدر هذه الفكرة من أصول رواقية سينيكية، بحيث يلزم الفرد أكثر ما يمكن من القناعة والرضى بقوانين الطبيعة، والخضوع إلى قوانين السلطة والمجتمع، عملا بالمقولة الفقهية "كم حاجة قضيناها بتركها"  إذا كان بلوغها فوق المستطاع. ويعترف ديكارت (ص 122)، دون مواربة، بإعجابه هذا بالأخلاق الرواقية: "وأعتقد أنه على هذا الأساس يقوم سر أولئك الفلاسفة الذين استطاعوا في سالف الأزمان... أن ينازعوا آلهتهم السعادة، بالرغم من الآلام والفقر... كانوا يتصرفون في أفكارهم تصرفا مطلقا إلى حد كان يحق لهم معه أن يعدوا أنفسهم، أغنى، وأقدر وأكثر حرية وأسعد من أي إنسان آخر حبته الطبيعة والحظ بكل ما هو ممكن...". وإذن يجب التحكم، ما أمكن، في الرغبات، والاقتصار على ما هو متاح منها، توخيا لتحقيق السعادة، وتلافي ما يمكن أن يتسبب في الحزن الذي يقلق راحة النفس، والذي ينتج عادة عن الرغبة في شيء ليس في متناول الإنسان.

إن حاجة الأنا إلى الغير تتزايد أكثر فأكثر في هذا المذهب "الانتهازي ـ البراغماتي" حول السعادة، إذا قورن بأي مذهب آخر، وذلك بصورة تتنافى مع مزاعم النزوع الفلسفي "الأنا ـ وحدي"، لأن هذا الأنا الذي يتطلع إلى تأسيس مبادئه الأخلاقية، مؤقتا أو نهائيا، بشكل يجعل سعادته في التوافق مع المجتمع وقوانين السلطة، يحتاج إلى أن يستقي هذه المبادئ من ملاحظة سلوك الناس الآخرين، وأفعالهم، وليس أقوالهم، دون أن يكون العقل هو منبع تلك المبادئ. ومن الأغيار سينتقي هذا "الأنا" المواقف الأكثر اعتدالا وتوازنا، دون الاستناد إلى وجهة نظر الذات المفكرة نفسها. إن العمل الجيد يتوقف حقا على الحكم الجيد، لولا أن هذا الأخير ليس هو ما يتوصل إليه عقل مستقل، بقدر ما هو مرهون بتبعية عقل للإرادة العامة السائدة في المجتمع، التي هي إرادة السلط.

تعتبر السعادة هنا، نتيجة متوقعة لتكيف الفرد مع القوانين السياسية، الاجتماعية، والأخلاقية، القائمة في المجتمع الذي ينتمي إليه هذا الفرد. "... وإذا ما اعتقد المرء أن ذلك واقع، لم يعجزه أن يكون سعيدا". (ص 124).

إن عزلة "الأنا" مستحيلة في مثل هذا المذهب الأخلاقي البراغماتي الديكارتي، وذلك بشهادة صاحبه الصريحة: "ولما كنت آمل أنني أستطيع أن أحقق هذه الغاية بمخالطة الناس أحسن مما أستطيع تحقيقها بالمكوث زمانا طويلا في حجرتي التي انكشفت لي فيها هذه الأفكار، عاودت السفر، والشتاء لم ينته بعد". (ص 126). كان ذلك عام 1620. وإذن، فالأخلاق المؤقتة، التي غذت نهائية، إنهاء للعزلة الديكارتية المؤقتة.

خاتمة:

اتضح لي بعد التحليل الذي أنجزته للفصل الثالث، من مؤلف ديكارت المسمى "مقالة الطريقة"، أن ديكارت كان متوجسا من المناخ السياسي الذي عاصره، والذي لم يكن قد قام بعد على فصل السلط، وإطلاق حرية التفكير والتعبير، وهذا التوجس كان حاضرا بقوة، على الخصوص، بعد محاكمة غاليليو غاليلي، بسبب تصديق هذا الأخير للنظرية الفلكية الكوبرنيكية، التي أودت بصاحبها إلى حتفه المعروف.

كما أن ديكارت كان يميل في مذهبه حول السعادة، إلى تصور أناني متمركز حول ذاته الفردية، مستبعدا الأبعاد الاجتماعية والكونية للسعادة الإنسانية. وهذا التصور يقصي التاريخ وسيرورته، كما تمثلها فلاسفة الأنوار وعلى رأسهم، إمانويل كانط، من كل تأمل في السعادة. لهذا قيل إن الفلسفة الديكارتية لا تؤسس لا لفكرة الأخلاق ولا لفكرة الحق.

لقد تناقض ديكارت مع نفسه حينما ادعى الشك، دون أن يقوم بتعميم منهجه الارتيابي على ما هو أخلاقي. وأخلاقه المؤقتة، تجعل مذهبه في "الأنا ـ وحدية" لا يكتسي أي طابع جدي، من الناحية العملية.

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******************

**************

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

**

                                                                                                  رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

 

 

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت