المساواة

                                                                                                                                         محمد الخشين

 

 

تقديــم المفهـــوم:

 

في اللسان الفرنسي تطلق كلمة Egalité  للدلالة على معنى التساوي والمساواة في آن واحد. وهذا يكشف ما بين المعنيين من ترابط وثيق، كما أننا نجد في قاموس أندري لالاند أن الأول مفهوم رياضي يستعمل بمعنى بمجرد: فالتساوي خاصية لما هو متساو، وبمعنى ملموس حينما يتعلق الأمر بمعادلة تخص عنصرين متكافئين معروفين، كالقول مثلا: أ = ب. أما الثاني، فهو معنى إتيقي وسياسي: إذ تدل المساواة على مبدأ تعتبر بموجبه قوانين النظام هي نفسها بالنسبة لكل المواطنين، بصرف النظر عن نشأتهم، وضعيتهم، وثروتهم. هذه هي المساواة بالمعنى الحقوقي. أما المساواة السياسية، فهي مبدأ تنتمي بحسبه الحقوق السياسية لكل المواطنين، وذلك في حدود قدرتهم، من وصول إلى الوظائف والرتب وغيرها، دون تمييز للطبقة التي ينتمي إليها هؤلاء أو الثروة التي يملكونها.

يضيف لالاند إلى ما سبق تمييزا بين مساواة واقعية أو مادية توجد متى كان مجموعة من الناس يملكون نفس الثروة، نفس الذكاء، ونفس الصحة البدنية، وبين مساواة صورية تتحدد بالتعارض مع الخصائص السابقة.

إن مفهوم المساواة في استعماله الأخلاقي والسياسي محدد بشكل سيء، ويعرفه إعلان حقوق الإنسان كما يلي: "يولد الناس وينشأون أحرارا ومتساوين في الحقوق. فلا يمكن للتمييز الإجتماعي أن يكون مؤسسا إلى على المنفعة المشتركة...". (المادة السادسة). يجب أن يكون القانون هو نفسه بالنسبة للكل، سواء كان يحمي أو يعاقب، وكل المواطنين بما هم متساوون في نظره جديرون بكل كرامة. لكن القانون المدني نفسه يتقبل أن يكون القانون ليس نفسه بالنسبة للرجال والنساء، للراشدين والأطفال. وتمثل اللامساواة المادية في قانون العقوبات،  بحسب الثروة، الوضعية الاجتماعية، الصحة..إلخ، لا مساواة نسبية يمكن أن تكون قابلة للاعتبار. هل المساواة قابلة للتطبيق؟

 

I- المساواة بين الليبراليـة والاشتراكيـة:  

إن المذهب الذي يرفض كليا المساواة المادية، والذي يتخذ كقاعدة تحقيق المساواة الصورية فحسب هو الليبرالية الخالصة Le Libéralisme pur . لكن يجب أن نلاحظ – كما قال لالاند دائما- بأن كثيرا من الاشتراكيين لا يقبلون كمبدأ مثالي مساواة مادية أكثر من اللازم. فهم يريدون فقط أن يضيفوا إلى المساواة الصورية الكاملة درجة من المساواة المادية الضرورية لضمان حد أدنى من الاستقلال والعيش الكريم لكل شخص. في هذه الحالة يرتكز المذهب الاشتراكي لا على النزوع إلى جعل المواطنين متساوين في كل شيء، وإنما فقط إلى وضع ضمانة ضد الظلم عن طريق مراقبة المجتمع بأكمله لتوزيع الثروات.

يتحامل أعداء الديمقراطية على مفهوم المساواة. كتب دوبونالد De Bonald في الجزء الثاني من كتابة "نظرية السلطة" (ص 41 – 42): "هناك قوانين بدائية "جوهرية" للمجتمع بدونها لن نستطيع تصوره"، فهو يملك "قوانينه الضرورية" وهي "قوانين طبيعية". وبلغة أخرى، هناك دستور طبيعي للمجتمع ينتج عن طبيعة الكائنات التي تشكله، "كما تنتج الجاذبية عن طبيعة الأشياء". في حين أن هذا الدستور يقوم على اللامساواة. إن الناس المتشابهين، لكن غير المتساويين، على مستوى الإرادة والفعل، يوجدون  كلهم بحكم هذه اللامساواة نفسها داخل نسق أو نظام ضروري للأفعال يسمى "مجتمعا". لأننا إذا افترضنا مساواة في الإرادة والفعل لدى البشر، لن يكون هناك مجتمع أبدا*.

 

II- النقد الوضعي والواقعي لمبدأ المسـاواة:

وباسم المذهبين الوضعي والواقعي انتقدت الأفكار التي تتبنى المساواة،. في هذا السياق قال موراس Maurras في أحد المؤلفات "البربروالرومان" ما يلي: "إن معارضة أو مناقشة النظام مضيعة للوقت.** وبالتالي، فإن اللامساواة هي الواقع الذي يجب الانطلاق منه، فالبشر غير متساوين من حيث القوة الفيزيائية، الذكاء والحكمة. وعليه، فإن النظام يبنى عن طريق التمييز والتصنيف، إذ تظهر العلوم الطبيعية بأن الوارثة هي التي تضمن انتقال القدرات المكتسبة. يترتب عن ذلك – حسب هذا المفكر- أن الديمقراطية فكرة ضد –علمية Anti – Scientifique أو بالأحرى ضد – فيزيائية  Anti-physique ذلك أن الأفكار المساواتية – إذا جاز هذا التعبير – ليست سوى أحلام بدون مرتكز.

 

III- قيمـة فكـرة المســـاواة:          

إن النقد السابق لمفهوم المساواة يبدو أنه يقوم على تصور يتسم بالغموض. إنه خاطئ: فمن جهة أولى يمكن القول بأن التصور السابق حول فكرة القانون غير صحيح إذ يربطها بالثبات، وبنظام اجتماعي لا يتغير. ومن ناحية أخرى، فإن المعطيات العلمية التي يستند إليها غير كافية. ففي بعض الشروط، إذا كانت هناك وراثة لصفات مكتسبة، فإنه من المشكوك فيه بقوة أن هذه الوراثة تنطبق على القدرات السيكولوجية العليا، أي على القدرات الذهنية والأخلاقية. وفي الواقع، فإن العلوم البيولوجية لا تثبت شيئا على الإطلاق فيما يخص هذه المسألة، فلا هي في صالح الديمقراطية، ولا هي ضدها، كما قال بول بورغي Paul Bourget في كتابه "الديمقراطية أما العلم" "La démocratie devant la science".

إن الخطأ الفادح لهذه السوسيولوجيا ذات النزعة الطبيعية، والتي تتذرع بالواقعية، يبتدئ بإهمال ما يشكل بالتدقيق خصوصية الحوادث الأخلاقية، ومعرفة طابعها المثالي. من البديهي أن الحكم القائل: "كل الناس متساوون" حكم قيمة وليس حكم واقع، لأنه يعلن عن مثال idéal  وليس عن حادثة.

إن وجود لا مساواة طبيعية بين الناس أمر واضح، كما أنه مما لا يقبل النقاش، أن هناك لا مساواة اجتماعية تنضاف إلى تلك اللامساواة الطبيعية. لكن، يتعلق الأمر هنا بمعرفة ما إذا كنا سنطأطئ رؤوسنا أو نقف مكتوفي الأيدي أمام الحادث الخام، أم يجب أن نتذكر بأنه يتعين علينا أن نبني المجتمع، وليس أن نخضع له بشكل سلبي. وفي العمق، فإن إمكانية الأخلاق بأكملها هي التي تشكل موضوع المساءلة.

 تتأكد مشروعية المساواة من خلال وجهتي النظر السوسيولوجية والأخلاقية في آن واحد. وبعيدا عن أن تكون مجرد حكم يفتقر إلى أي مرتكز، أو كشيء عشوائي أو اصطناعي، فهي كنتيجة لكل التطور الاجتماعي للأزمنة الحديثة. وهذا يبين لنا إلى أي تيار سننتمي إذا أردنا التخلي عنها.

ومن الناحية الأخلاقية يستجيب مفهوم المساواة بصفة مثالية لشروط المشكلة  كما طرحناها. من الممكن أن توجد في المجتمع لامساواة اصطناعية لكونها خارجة عن الأفراد، أي لكونها تنتج، لا عن القدرات الخاصة بكل فرد، وإنما عن نظام حقوقي أو اقتصادي يمنعها من أن تحصل على المكانة التي تستحقها. في حين أن الديمقراطية تفرض على الخصوص- سواء باسم حقوق الشخص أو باسم المنفعة الاجتماعية – استعمال القدرات الخاصة بكل فرد وتطوريها إلى المدى الأقصى.                                                       

إن ما ينشده مثال المساواة من خلال المساواة المدنية والمساواة الاقتصادية هو اختفاء المساواة الاصطناعية. وبناء على ذلك، فإن المقصود هنا ليس هو أن نتعامل بشكل متطابق مع الأفراد المختلفين "إنه يريد عكس ذلك أن تأخذ في الحسبان فقط اختلافاتهم الفردية. وبهذا المعنى، فإن "الشعور بالقيمة الخاصة بالفرد" هو العنصر الجوهري لمثال المساواة" كما كتب بوغلي Bouglé *.

وإذن، من الواضح جدا، بالنسبة للمساواة المدنية والحقوقية، أننا بتبنيها لا ننكر مطلقا الاختلافات الفردية. لكن، أليست المساواة الاقتصادية نفيا لكل اختلاف بين القدرات؟ لا شيء في حركة المؤسسات الحديثة يسمح بتوقع العملية التي يصعب تصورها والتي ترتكز على توزيع ثروة الأمة إلى أقساط متساوية. يقول أحد الاشتراكيين الإنجليز: "كل الناس ينشأون أحرارا ولا متساوين". وهدف الاشتراكية هو المحافظة على هذه اللامساواة الطبيعية واستخلاص أفضل ما هو ممكن فيها" (غران الين) Grant .Allen

     

IV- خلاصـــــة:

هناك شيء في النزعة المساواتية – الديمقراطية له أهمية بالغة، إنه أحد المسلمات الجوهرية لمثالنا الأخلاقي. إذ توجد بين كل الناس، كيفما كانت اللامساواة فيما بينهم واختلافاتهم الطبيعية، مساواة أخلاقية égalité morale، وذلك بالمعنى الذي يعتبرون كلهم كأشخاص، وأنهم مدعوورن جميعا إلى حياة روحية، ولا يمكن النظر إلى أي منهم كأداة أو كوسيلة لتحقيق غاية ما.  

                                                                            محمد الخشين

 

* - بوغلي "أفكار مساواتية" Idée égalitaire ص 25 – 26 – ترجمة شخصية.

- دو بونالد: "التشريع البدائي « Législation primitive » ضمن "المختارات" الجزء     II  ص: 402 – ترجمة شخصية.

* - " البربر والرومان: ورد في "الديمقراطية الدينية" « La démocratie religieuse » ص 14. ت.ش 

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

 

*******************

**************

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

**

                                                                                                  رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

 

 

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت