أجزاء الخطاب

ترجمة محمد الخشين و آخرين                                                                                             

 

 

أجزاء الخطاب:

إن البحث عن نظام ثابت داخل لسان ما يبدو في معظم الأحيان بوصفه، يفترض من بين مهام أخرى، تصنيف عناصر هذا اللسان. إذا اعتبرنا بأن الكلمة مثل العنصر اللغوي الجوهري، فإن أحد واجبات عالم اللغة يتعين أن يكون إذن هو وضع تصنيف أو ترتيب للكلمات. يسمي النحات اليونان و اللاتينيون الطبقات الرئيسية للكلمات التي كان عليهم أن يميزوا بينها بأجزاء الخطاب (Partes orationis). إن تحديد و تعريف هذه الطبقات شكّل موضوعا لعدد من المناقشات خلال الأزمنة القديمة، على أن التمييزات التي تبدو اليوم الأكثر وضوحا لم تدرك و لم تتبلور إلا بطريقة تدريجية.

في الأخير وضع النحوي اللاتيني أيليوس دوناطوس Aelius donatus (القرن الرابع م) ، في كتابه "بحث حول ثمانية أجزاء للخطاب"، لائحة لم تتعرض، على امتداد خمسة عشر قرنا، إلا لبعض التعديلات التي تخص التفاصيل: فهي استعملت، بصفة تقريبية من قبل مدرسة بور رويال Port-Royal للنحو، و استخدمت كقاعدة، كما استعملت أيضا من طرف النحو الفرنسي المدرسي منذ زمن يسير. فهي تحتوي على الطبقات الثمان الآتية: الاسم، الضمير، الفعل، اسم الفاعل، حروف العطف، الحال، حروف الجر، حروف التعجب.

بدل مناقشة هذا التصنيف في تفاصيله، يمكن أن يكون من المهم أن نظهر، بخصوصه، الصعوبة العامة المثارة من قبل كل نظرية حول أجزاء الخطاب التي تتعلق بشروط صلاحيته. ما الذي يضمن أن لائحة ما حول أجزاء الخطاب هي الأفضل أو أنها تملك قيمة أحسن من الأخرى؟

أ – سيكون الجواب الأول الممكن بالقول إن نظرية ما حول أجزاء الخطاب، لكي تكون ذات صلاحية، يجب أن تكون كونية، و أن مقولاتها يجب أن تكون ممثلة في كل الألسن. فمن الدال أن النحات القدماء لم يعرضوا هذا السؤال حول الكونية بوضوح. إذ يبدو، من البديهي، بالنسبة إليهم، بأن تصنيفهم يملك قيمة كونية: فهم كانوا يتمثلونها  كإطار ضروري لكل وصف لساني ممكن (سوف نقول باصطلاح معاصر، إن تصنيفهم كان يبدو إليهم كمبدأ للسانيات العامة، كعنصر للنظرية اللسانية). في حين أن جرعة محددة ببراعة كانت ضرورية للدفاع عن هذه الأطروحة، حتى إن أخذنا بعين الاعتبار المقارنة بين الإغريقية و اللاتينية اللسان المتقاربتان بالنسبة لبعضهما.هكذا،وبالنظر إلي كون اللاتينية لم تكن لتتوفر على أدوات التعريف،فإن النحات اللاتينيين كان عليهم أن يقحموا عنوة،في مقولتهم حول الضمير، الطبقتين الخاصتين بأداة التعريف و بالضمير اللتين ميز الإغريق, كما هو الحال مع أريسطارك Aristarque بينهما بعناية،ولسبب أقوى فإن أخذ الألسن "البربرية" بعين الإعتبار كان سيجعل من الصعوبة بمكان دعم كونية التصنيف:وبالتالي,فإننا نرى بصورة سيئة كيف كان سيكون الأمر:فيما لو أن تصنيفا ما وضع انطلاقا من ألسن خاصة،حينئذ كان سيلزم حظ كبير لكي يستطيع بعد ذلك أن يتكيف بصورة طبيعية مع كل الألسن. لكن، كيف يمكن، من جهة أخرى، أن نحدد أجزاء الخطاب,إذا لم ندرس الألسن الخاصة؟

لتجنب هذا المطلب، أعلن عالم اللسانيات الدنماركي بروندالV Brondal ،في بحثه حول نظرية أجزاء الخطاب ذات القيمة الكونية،عن استعمال مسار استقرائي.فقد اقترح منهجا عكسيا، يرتكز على إنشاء تصنيف قابل لان يبرهن عنه بصورة جوهرية،وذلك بحيث تكون قابليته للتطبيق على كل الألسن الواقعية، على هذا النحو، ضرورية بصفة قبلية.انطلق بروندال من فكرة كون كل الألسن لها أساس منطقي،أساس،بالنظر إلى كونية المنطق،يجب أن يكون متطابقا معها بأكملها.

لكن،لكي تكون هذه الأطروحة منسجمة مع التجربة فهي تتطلب بعض التحديدات. فهي لا تفرض،حسب بروندال،أن تكون كل أجزاء الخطاب،ولا حتى البعض من بينها فقط،توجد فعليا في كل الألسن.يتعلق الأمر بالأحرى بأن نحدد عن طريق التحليل المنطقي جردا لكل أجزاء الخطاب الممكنة،وأن نظهر بعد ذلك بأن الألسن الواقعية تختار دوما أجزاء خطابها من داخل هذا الجرد:إن تحليلا للمعطيات الذهنية يظهر أربع مقولات أساسية(العلاقة،الموضوع، الكم، الكيف)،كل واحدة من هذه المقولات أخذت منعزلة، ومن ناحية أخرى فكل التركيبات المتساوقة منطقيا لعدد كثير منها (وهي خمسة عشر حسب بروندال)،تسمح بتعريف المقولات الممكنة للخطاب،والمقولات الممثلة واقعيا في الألسن لن تكون أبدا إلا كتمظهرات لتلك المقولات الممكنة:وهكذا فإن طبقة حروف الجر في الفرنسية تمظهر لمقولة العلاقة،وطبقة الضمائر تجل لتركيب مقولة الموضوع مع مقولة الكم (ما دام الَضمير يمثل موضوعا غير محدد،متميّزا فقط بوصفه قابلا للتكميم).سنسجل أن الصعوبة المثارة من قبل تصنيف بروندال، هي بالتدقيق، عكس تلك التي يطرحها التصنيف التقليدي، ذلك أن القابلية للتطبيق، على الألسن الخاصة ،تعاني من أن تكون، ليست صعبة جدا،وإنما بالأحرى، سهلة جدا، بحسب مستوى التعميم التي تتموضع ضمنه تعريفات المقولات.

ب) لنفترض أن تصنيفا معينا لأجزاء الخطاب ينفلت من الكونية وينحصر في وصف محدد للسان معطى.فبأية معايير حينئذ نتعرف على صلاحيته؟كيف نكون متيقنين من أن التقطيع المقترح يكشف عن السمات الداخلية الجوهرية للسان الموصوف؟إن إثباتا هاما سيكون هو أن التصنيف المنشأ يمكن البرهنة عنه من وجهات نظر مختلفة، مثلا،إن الاعتبارات السيمانطيقية،المورفولوجية،التركيبية تتركز لتفترض نفس تصنيف الكلمات ضمن طبقات،في حين،أن الاختبار،لكي يملك قيمة تناقش،ينبغي أن يكون التصنيف منجزا حسب كل واحدة من هذه الوجهات ا من النظر منفصلة عن بعضها البعض،  بحيث أن اتفاق هذه الآراء، لا يمكن التنبؤ به بشكل مسبق،وهذا الاتفاق يثبت بأن هذا التوزيع يتناسب مع نوع من التمفصل الطبيعي للسان.في الواقع،وللأسف، إن هذا التصنيف التقليدي لأجزاء الخطاب الذي يدخل معايير مختلفة بشكل تكميلي،لا يمكنه إدراك هذا النوع من التأكد الذي يمنحه الاتفاق حول المعايير المستقلة.وقد يحدث كذلك أن تكون المعايير المعتمدة من النوع المورفولوجي:يميز فارونVarron  بين الاسم و الفعل باعتبار أن أحدهما ينصرف (وهو قابل لتلقى الحالات )في حين أن الأخر يصرّف (أي يتلقى الأزمنة ).دون شك، إن السبب الذي يؤدي بنا إلى اعتبار اسم الفاعل جزءا من خطاب مستقل وليس كواحد من أشكال الفعل:من اللاتينية و الإغريقية،هو كون اسم الفاعل قابلا لان يتلقى في نفس الوقت الحالات و الأزمنة.لكن المعايير التوزيعية تستعمل في نفس الوقت: نأخذ بعين الاعتبار الطريقة التي تتموضع بها الكلمات بعضها في ارتباط مع  البعض الأخر داخل الجملة،هكذا فحرف الجر يتحدد انطلاقا من كونه  سابقا عن الاسم  وتتدخل الوظيفة التركيبية  في لحظات أخرى:إنها الحالة  بالنسبة لحروف العطف، تعتبر خاصيتها أن تستعمل في الربط بين جملتين،بين حرفين للجر،بين لفظين ،دون أن يفترض هذا الدور المشترك بينهما،وضعية مشتركة في تنظيم الخطاب.إن معايير سيمانطيقية محضة تكون أيضا مستعملة.إذا كان العصر الوسيط قد بلور مفهوم النعت الذي كان مجهولا خلال الأزمنة الكلاسية القديمة،فذلك بصفة أساسية لكي يمنح قيمة إلى كون معظم الأسماء الموصوفة تحيل إلى موضوعات.لكن المعايير المورفولوجية لم تميز قط في اللاتينية والإغريقية الاسم   الموصوف عن المنعوت( إذ يحمل الواحد منهما على محمل الثاني)(على الأقل في اللاتينية،حيث يعمل النعت كفاعل لفعل ما)،وقد تم السعي إلى اتفاق يجعلهما معا  ما تحت طبقات معزولة الاسم.ومن الدال من هذا التردد الثابت حول المعايير أن أحد التمييزات المبنية،المتعلقة بالاسم والفعل،يبدو منشأ في الأصل على الدور المختلف الذي تلعبه هاتان الطبقتان ضمن نشاط التلفظ (احدهما ينفع في الإشارة  إلى الموضوعات،والآخر في إثبات شيء ما عن هذه الموضوعات).إنه التمييز نفسه تقريبا بين الفاعل و المحمول كما يحدده المناطقة المعاصرون. لكن، إذا كان ثمة تساوق، فإننا لا نستطيع أن نحافظ سوى على هاتين الطبقتين سواء طبقات الكلمات  أو كيفما كانت إذن أجزاء الخطاب،لأن وظيفة الاسم  لا يمكن أن تكتمل بأشكال أخرى إلا عن طريق استعمال فعل بالمعنى النحوي.وهو ما يفسر كون أفلاطون(في محاورة قراطيلوس 399ب)يقدم العبارة "صديق الله" " ami de dieu" كفعل،رغم أنها لا تحتوي على فعل.

تبقى مسألة أن نعرف ما إذا كان هذا اللاتجانس في المعايير خاصا بالتصنيف التقليدي وحده أم أنه مرتبط بالمشروع نفسه الذي يرتقي إلى بناء أجزاء الخطاب،إي تصنيف الكلمات.معظم اللسانيين الحاليين آثروا الفرضية الثانية .فالكلمات بالنسبة إليهم وحدات ذات طبيعة جد مركبة، و لكي تكون كل ألفاظ لسان ما بإمكانها أن تصنّف طبقا لمعيار واحد، و هو السبب القوي الذي يدفع إلى اعتماد معايير متعددة مستقلة و مجتمعة، تبدو هذه الطبيعة المركبة بوصفها تمنع بالتحديد استعمال المعيار السيمانطيقي. إذا مثلا حللنا الكلمة إلى مورفيمات – كما أصبح ذلك عاديا منذ نهاية القرن الثامن عشر- فذلك ربما فقط من بين المورفيمات نستطيع أن ننشئ تصنيفا  سيمانطيقيا هاما. هكذا اعتقد بعض الفلولوجيين مثل  Fr . Bopp بوب (النحو المقارن للألسن الهندوأوروبية، الترجمة الفرنسية باريس 1885 ، الجزء الأول ص: 221-222) بأنهم لم ينشئوا سوى الجذور الهندوأوروبية (أي مورفيمات اللسان – الأم الهندوأوروبي) و هي تنتظم في طبقتين متعارضتين، الجذور الإسمية (التي شكلت في الألسن اللاحقة جذور الأسماء، و الأفعال، و النعوت) و الجذور الضمائرية التي كونت في هذه الألسن (الضمائر، من ناحية، السمات النحوية للأفعال ، الأسماء و النعوت، و من ناحية أخرى الألفاظ النحوية المستقلة (الضمائر، حروف العطف، حروف الجر...) وفقا لهذا المنظور لا يمكن أن يكون التصنيف السيمانطيقي للكلمات أبدا متساوقا، مادام أنه يتعين عليه أن يضع في نفس الحقل ، الألفاظ البسيطة من الناحية اللغوية مثل حرف الجر الذي يعبر عن دلالة نحوية في حالة محضة، و الألفاظ المركبة السيمانطيقية مثل الفعل (الذي يعبر عن مزيج من الدلالة النحوية و الدلالة المعجمية). ليس فقط حضور السمات النحوية داخل بعض الألفاظ لكن أيضا حضور المشتقات، ما يجعل من الصعوبة بمكان إنجاز تصنيف سيمانطيقي للكلمات. هكذا سعى نحو مدرسة بول رويال إلى إقامة تعارض بالنسبة لمعنى النعوت و المنعوتات و اقتراح اعتبار الأولى كتعبير عن الخاصيات (انظر أبيض   cf blanc) ، و الأخر باعتبارها تحيل إلى طبقات الموضوعات و الجواهر (انظر الإنسان cf . homme)

يبدو التمييز أكثر صلابة بحيث يدل على تناظر بين طبيعة الخاصية ( التي هي دوما خاصية شيء ما) و الطبع التركيبي للنعت (الذي لابد أن يلحق بجوهر المنعوت، مثل صفة أو ملحق Attribut). لكن سرعان ما يحضر المثال – المضاد للمنعوتات مثل البياض Blancheur  (الذي يحيل بالبداهة إلى خاصية ما) والنعوت مثل إنساني Humain (التي ليست لها سمة مقارنة مع الجواهر مثل المنعوت إنسان).

إن الحل الذي لجأت إليه مدرسة port- royal هو اعتبار كل من البياض والإنساني كمنعوتين و كنعتين مشتقين، و هما لا يستطيعان إذن حمل السمات السيمانطيقية التي تحملها المنعوتات و النعوتات الأساسية مثل إنسان و أبيض. إن هذا الوضع لا يزال أكثر تعقيدا، لأن مدرسة port- royal أشارت إلى ذلك، فهي ترى أن الإبداع بواسطة اللسان لمنعوت البياض يقود إلى إظهار ميزة الأبيض كنوع من الجوهر،  وبنفس الشكل أيضا فإن المنعوت إنساني يسعى إلى إظهار حادث وجود الإنسان كنوع من الخاصية. و هكذا فإننا لا نملك الحل الذي بموجبه يمكن اعتبار المنعوتات و النعوت بوصفها مشتقة من منعوتات و نعوت خاطئة. إن تخصيص طبقة من الألفاظ بالسمات السيمانطيقية مثل النعت يصبح إذن كنوع من التحدي.

يقود النحو التحويلي إلى اليأس من كل تصنيف سيمانطيقي بل و حتى تركيبي للكلمات. لقد تم اعتبار العديد من الألفاظ بذاتها بوصفها خلاصة Résidu في البنية السطحية. إن عددا من الألفاظ المعتبرة بالفعل بذاتها تترسب ضمن بنية سطحية لأشكال عميقة و مختلفة جدا. إنها الحالة مثلا، عندما ينتج تحويل في الجملة الاسمية ضمن بنية سطح مجموعة اسمية انطلاقا من ملفوظ تام للبنية العميقة.

لنفترض على هذا النحو بأن "بناء منزل يتطور" فهي في الأصل "بني المنزل"  و"هذا يتطور". ليس لهذا دلالة كبيرة لكي نضعه ضمن نفس مقولة الاسم "بناء"، الذي يطابق فعلا من أفعال البنية العميقة مع اسم "المنزل" الذي يعد في الأصل اسم في هذه البنية نفسها. لا يمكنهما أن ينطويا على نفس القيمة السيمانطيقية، مادام أن هذه الأخيرة تترابط في بنية عميقة، حسب تشومسكي. تختلف خصائصها التركيبية أيضا مادامت مرتبطة بصفة واسعة مع شكل الملفوظ الضمني (هكذا فإن لفظ"بناء" جاء من فعل مبني للمجهول و يمكنه أن يتوفر على فاعل إضافي "من قبل الناس"، و هذه ليست حالة المنزل.)    

 البيبليوغرافيا المعتمدة في هذا الفصل: 

_ "نحو بول-رويال"، الجزء الثاني، الفصل الثاني. سوف نجد تعليقا على هذا النص في الفصل المسمى "لسانيات"، المأخوذ من : بانوراما العلوم الإنسانية، غاليمار، 1971.

_ سوف نجد نقاشا مفصلا حول التحول الاسمي و الخصائص التركيبية و السيمانطيقية للأسماء التي وردت في كتاب "في تركيب الكلمة المشتقة في الإنجليزية."، M.I.T Phil. الكتابة 1967. هناك عدة إشارات حول الإسمية، وردت في : " النحو البنيوي في اللغة الفرنسية"، ل دوبوا، باريس، 1969.


_ هذان النصان (العلامة و أجزاء الخطاب) منشوران ضمن "القاموس الموسوعي لعلوم اللغة",[1]

   [2]كلمة لاتينية.

[3]  سويفت جوناثان (1745- 1667): كاتب و روائي انجليزي الأصل، عرف في ميدان الهجاء و الرسائل السياسية، من أهم أعماله "معركة الكتب" و "حكاية حوض" .(1667 ـ 1745)

[4]  فردينان دي سوسير Ferdinand de Saussure: (1857-1913) عالم لغويات سويسري، يعتبر الأب و المؤسس لدرسة البنيوية في اللسانيات.

[5]  جيمز لي بورك: روائي أمريكي ولد في 1936 ، من أعماله: "يسوع يخرج إلى البحر" و "موسم الندم" و "السديم"

_ لقد ترجمنا هذه المصطلح بالثانوية، رغم اننا غير راضين بذلك. لأن هذه الكلمة تحيل الى ما يميز جوهر الجملة الفعلية، و من المفارق أن نسمي ما هو جوهري باسم "الثانوية". [6]

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الترجمات

*******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت