هردر و أشكال الثقافة

                                                                                                                                         محمد الخشين

 

   

مقــــــــــــدمة:

ابتدأ النقاش الفلسفي حول أصل اللغة منذ القديم . وقد تميزت أهم المواقف الميتافيزيقية حول موضوع هذا الإشكال بإرجاع هذا الأصل إلى قوى فوق-إنسانية .ففي النصوص المقدسة نجد بأن الله علم آدم "الأسماء كلها".وكان الجدل الثيولوجي يتمحور حول الكيفية التي حدث من خلالها انبثاق ألسن عديدة عن لغة واحدة . حيث  اعتبر ذلك عقابا بلبل لغة القوم .

بالمقابل يطرح هردر إشكالا آخر : "هل استطاع البشر أن يكتشفوا هم أنفسهم لغة ما بالاعتماد على قدراتهم الطبيعية ؟"، وذلك ضمن كتابه "بحث حول أصل اللسان قدم له و ترجمه إلى الفرنسية بيير بينيسون Pierre Penisson  ، صدر عن دار النشر أوبيي مونطاني Aubier Montagne   سنة 1977 . وبالخصوص ضمن الجزء الأول من الكتاب الأول ، غايته دحض الفكرة القائلة بالأصل الإلهي للغة ،مبرزا أن اللغة البشرية ترتد في أصلها الأول على ينبوع الطبيعة ،وإلى الطبيعة الغريزية للنوع الإنساني على وجه التخصيص .

إن أهم النصوص التي كتبها هردر والتي يتعلق موضوعها تحديدا بسؤال اللغة في تاريخها ، تشكلها وممارستها أو في فعاليتها، تطرح عدة تساؤلات جذرية ،من ذلك مثلا :هل من الحسن أن تفقد لغة ما تعابيرها ؟ ماذا نستطيع أن نستعمل بالنسبة للغتنا، انطلاقا من العصور الشعرية الإغريقية ؟ماذا يتعين علينا أن نتعلم من الفرنسية لتطوير أسلوبنا المضني و الملتبس؟... وهو ما يبين أن هذا الفيلسوف يطرح قضايا ضد كل التيارات و المذاهب في عصره و في العصور السابقة عليه. وهي قضايا جديرة بأن تكون موضوعات لبحوث مستقلة .من أين يستمد أفراد النوع البشري ،بصفتهم يشكلون نوعا حيوانيا قدرتهم على الكلام : من أصل ميتافيزيائي أم من أصل طبيعي ؟    

                                                                                                                                                     1

 

         

معطيات عامة بخصوص بحث هردر:

في تقديمه العام للكتاب ،اعتبر بينيسون بأن بحث هردر حول أصل اللسان الصادر سنة 1770 لايزال يشكل موضوعا للسجال،وأننا نجد فيه العمل الأكثر وضوحا بالمقارنة مع النظريات الأشد تباينا،وبالنسبة للبعض مثل بينفاي Benfey،شومسكي Chomsky وكونكينهايم Kunkenhim يمكن أن نجد استمرارية بين هردر وأسلافه،وعلى عكس ذلك يتمسك معلقون آخرون بكون البحث يسجل قطيعة ويعد ثورة في تاريخ اشكال اللسان ،لكن سواء اعتبرنا هردر امتدادا للأنوار الفرنسية وممثلا لها أو مؤسسا للرومانسية فالبحث يعتبر عملا حاسما .

ان سؤال ارث وأصالة البحث ليس جديرا باهتمام المؤرخ وحده،فقد أظهر عدد من اللسانيين أن هناك صلة قرابة متينة في الفكر بين هردر مثلا وورف Whorf،لكن البعض الآخر لا يرى في هذا البحث سوى مرحلة منسية في تاريخ اللسانيات ما قبل العلمية.مما يعني أن الكتاب بقدر ما حظي بقراءات مختلفة ، بقدر ما يتخذ مكانه في النقاش الراهن حول اللسانيات.وقد بقيت الفلسفة طويلا صامتة حيال فكر الشاب هردر.وبالنسبة لأصحاب مدرسة فرانكفورت مثل غادامير Gadamer وأبل Apel فالبحث له أهميته ،وهي تكمن في راهنيته.

ان التعليقات حول هردر عديدة جدا ،وهي بدأت منذ بداية القرن التاسع عشر ، غير أن البحث الحقيقي، سواء الفيلولوجي أو الفلسفي،  لم يظهر إلا في النصف الثاني من القرن الماضي .وقد صدر مؤلف هردر المذكور في يونيو 1772 عند فوسVos في برلين ،أما تحريره فقد تم سنة 1769 في نانت ،لكن بالخصوص في ستراسبورغ  في دجمبر 1770، وهو اعتبر أول عمل للمؤلف ،وينظر اليه على هذا النحو،اما لكونه يشكل البداية الأولى للفلسفة الهردرية، وإما لأنه الكتاب الأول لهردر ،بحكم أن إنتاجاته السابقة كانت قد ظهرت في أشكال صحفية.

أصل اللغة عند" الحيوان" البشري

في الجزء الأول من الكتاب الأول من "بحث حول أصل اللسان"Traité sur l’origine de la langue  يرى هردر بأن الانسان، الذي هو أصلا حيوان،يملك اللغة.فكل الانطباعات القوية،والأكثر قوة بينها و هي الإنطباعات المؤلمة لجسمه ،وكل المعاناة العنيفة لروحه ،تعبر عن نفسها مباشرة بواسطة الصرخة ،بالأصوات والضجات المتوحشة و غير المتمفصلة . لقد ولدتنا الطبيعة قلة ،مثل أحجار معزولة ،أو مثل مونادات Monade ،أو جواهر أنانية .وأكثر الحبال رقة للحساسية الحيوانية نفسها ،التي لا يتوقف الصوت الذي تصدره ، ولا الجهد المبذول من أجل ذلك ،على أبة إرادة أو أي انتباه متيقظ .

"هذه الحبال السابقة عن كل عقل ملاحظ، لم يكن يمكن ملاحظتها تتحول، معبرة عن كل لعبتها، إلى مخلوق آخر، حتى بدون أن يكون هناك وعي بأي ود غريب.إن الحبل المضروب يملأ واجبه « Les  plus fines cordes de la sensation animale elles –mêmes…,dont le son et la tension ne dépendent aucunement d’une volonté ou d’une vigilante attention ,ces cordes dont la nature ,antérieure à toute raison observante  ,n’a pu être observée , se tournent en exprimant par tout leur jeu ,vers une autre créature , même sans qu’il y ait conscience , d’une sympathie étrangère . La corde, frappée, remplit son devoir ».

إذا كان ينبغي على الفيزيولوجيا أن تكون قادرة على إعطاء برهان على مذهب الروح، وهو ما يشك فيه هردر بقوة ، فإنها ستسلط كثيرا من الأضواء على هذه الظاهرة ، بتحليل الجهاز العصبي ،رغم أنها ستقسمه ،دون شك ، إلى أجزاء متمايزة ،صغيرة جدا و غير حساسة .لنأخذ الآن هذه الظاهرة في مجموعها كقانون طبيعي واضح :

هنا وجود حساس لا يمكن أن يحتفظ في ذاته بعواطفه الحية ،الجياشة والذي ، في اللحظة الأولى من المفاجأة ، حتى بدون إرادة أو انتباه ، يجب أن يعبر عنها بصوت مسموع à voix haute  ، وقد كان ذلك بوجه ما التمظهر الأخير والأمومي الذي بواسطته تمد الطبيعة يد عونها : إنها تعطي للكل هذا القانون في هذا العالم "أن يكون انفعالك ليس لك وحدك، بل على العكس يظهر إحساسك" que ton émotion ne soit pas pour toi seul ,qu’au contraire ton sentiment retentisse(ص 50)

وبما أن هذا التمظهر الوحيد له قيمة بشكل موحد بالنسبة لكل أعضاء أحد الأنواع، فإن تشكل هذا القانون سيكون على النحو التالي  :"... بقدر ما يظهر انفعالك في توافق مع نوعك، بقدر ما يكون إذن مدركا ومحسوسا أيضا من قبل الجميع مثلما من طرف كل واحد " . Que ton émotion retentisse en accord avec ton espèce, qu’elle soit donc perçue et ressentie également par tous comme par chacun.

مع ذلك،فإننا لا نفهم أيضا هذا الكائن الضعيف والحساس كما هو فريد ومعزول، على نحو ما نفترضه في عاصفة عنيفة للكون، فهو رغم ذلك ليس ووحيدا، إذ له صلة مع الطبيعة بكاملها – حساسة ، لكن الطبيعة تحتوي في حباله الصوتية ، التي توقظ بدورها مخلوقات أخرى ،تعد هي أيضا حساسة ، كما لو أن ذلك يتم بواسطة سلسلة غير مرئية ،على أصوات يمكن ان تؤدي إلى اقتسام وهج مع كائن بعيد ،بحيث أن هناك شعورا حيال هذا المخلوق الذي لا نراه ،"هذه الأنات  والأصوات عبارة عن لغة: وهكذا توجد إذن لغة للعاطفة ، و هذا قانون مباشر للطبيعة"ces soupirs ,ces sons ,sont une langue : aussi donc    existe une langue de l’émotion (ص 51 ) .

هذه اللغة في الأصل مشتركة بين الإنسان و الحيوان ،غير أن ألسنتنا الإصطناعية يمكن أن تكون قد كبتت هذه اللغة الطبيعية . حياتنا البرجوازية  

وطرقنا المتحضرة يمكن أن تكون قد أقامت سدا و حالت دون تدفق بحر الأهواء. ويلاحظ هردر بأنه كلما تشابهت الطبيعة الإنسانية مع نوع حيواني بشكل أقل، كلما كانت ، بالنسبة للجهاز العصبي غير متجانسة ،كلما حدث ذلك إلا و أصبحت لغة الطبيعة مفهومة بالنسبة إلينا بصورة أقل.

"وبوصفنا حيوانات أرضية ،فنحن نفهم الحيوان الأرضي أفضل من المائي. ، نفهم أفضل  الحيوانات التي تعيش في قطعان  أكثرمن تلك التي تعيش في الغابات ، ومن بين سائر التي تعيش في قطعان نفهم أفضل تلك التي تعتبر الأقرب الينا ".En tant qu’animal terrestre nous comprenons mieux l’animal terrestre que l’aquatique, et parmi les animaux terrestres nous comprenons mieux les animaux grégaires que ceux de la forêt, et parmi les animaux grégaires, nous comprenons mieux ceux qui nous sont les plus proches (ص 51-52).

ورغم أن العرف و العادة يتدخلان بكل تأكيد، كثيرا أو قليلا، في هذا الأمر، فمن الطبيعي أن الإنسان العربي الذي يشكل مع حصانه شيئا واحدا، أقدر على فهم جواده من أي أحد آخر يمتطي صهوة حصان لأول مرة. إنه تقريبا يكلمه ، كما فعل هيكطور Hector    في الإلياذة مع جياده . يستطيع العربي في الصحراء، الذي لا يملك شيئا آخر غير جمله ، و لا يرى سوى تحليق الطيور الطائشة أحيانا، أن يفهم بسهولة الطبيعة و الإعتقاد في فهم الصرخة أكثر مما نفهم نحن صيحة مدوية في منازلنا . "إن لغة الطبيعة حقا لغة شعبية بالنسبة لكل نوع يتكلمها، و الإنسان أيضا له لغته الطبيعية la  langue de la nature est véritablement une langue populaire pour chaque espèce qui la parle ,et l’homme a aussi la sienne (ص 52).

في كل اللغات لا يزال صدى هذه الأصوات الطبيعية يتردد ،إنها ليست ألياف اللغة الإنسانية  و هي ليست الجذور الحقيقية ، لكنها النسغ الذي ينشط جذور اللغة dans toutes les  langues de l’origine retentissent encore des vestiges de ces sons naturels , simplement ils ne sont pas les fibres de langue humaine, mais la sève qui anime les racines de la langue humaine (ص53).

الآن، في لغة ميتافيزيقية دقيقة ،لم تكتشف إلا بصفة متأخرة،قد يوجد تنويع من الجزء الثامن للنوع الإنساني ، منذ اللغة البدائية ، التي  بعد مرور عدة قرون من تحللها، تمكن من خلال قرون من حياتها ، من صقلها و تمدينها و أنسنتها : إن لغة كهذه ، بنت العقل و المجتمع ، لا تستطيع ، لا شيئا و لا قليلا ، أن تعرف شيئا عن طفولة أمها الأولى . وحدها اللغات القديمة و البدائية، الأكثر قربا من الأصل، احتفظت منها بشيءmaintenant ,en une langue métaphysique subtile ,tard découverte ,peut être une variété de la huitième partie de l’espèce humaine depuis la langue primitive ,qui après une dégénérescence de plusieurs siècles de sa vie ,affinée et humanisée :une telle langue ,fille de la raison et de la société ,ne peut plus ,rien ou peu ,savoir de l’enfance de sa première mère . Seules les langues vieilles et primitives, selon qu’elles sont plus prés de l’origine, en ont conservé quelque chose (ص53).

ويعتبر هردر أنه لا يستطيع أيضا أن يتكلم هنا عن أقل شيء حول التربية على اللغة الإنسانية،وإنما فقط عن مواد خامة .ويدعون إلى أن نرى في أفعال و أسماء هذه اللغات المشار إليها ،إلى أي درجة احتفظت ببقايا العديد من هذه الأصوات، ويضرب المثال عن ذلك بأقدم اللغات الشرقية   "التي تمتلئ بالصيحات ، التي لا ترى فيها الشعوب التي تثقفت بصفة متأخرة ،إلا ثغرات و تبدي حيالها عدم تفهم    

أصم و منذهل "                                                                                                                                                                                

    mais voyez dans  les langues citées les racines de leurs verbes et de leurs noms , à quel point se sont conservés de nombreux vestiges de ces sons . Les plus vielles langues orientales sont pleines d’exclamations pour lesquelles, nous, peuple tardivement cultivé, n’avons que des lacunes ou une incompréhension sourde et hébétée (ص54).

يعقب هردر هنا على سوسمليخ Sussmlich صاحب كتاب "برهان على الأصل الإلهي للغة"preuve de l’origine divine de la langue humaine Berlin 1766 الذي دافع عن الأصل الإلهي للغة ، و الذي يجد " ما يعجب به في النظام الإلهي ،حيث كل ضجيج اللغات المعروفة لدينا يمكن اختزاله إلى مجرد عدد عشرين خاصية أبجدية". إن هذه الواقعة مبنية بصورة خاطئة ، ونتيجتها أيضا غير دقيقة . ليست هناك لغة ذات تعبير حي يمكن اختزالها كاملة إلى الحروف الأبجدية أو أيضا غلى أقل من عشرين حرفا. كل اللغات ، على العموم و بالتخصيص ، تشهد على ذلك . حيث أن ملفوظات أعضائها الصوتية عديدة جدا. فنفس الضجيج يمكن نطقه بشتى الطرق المختلفة . و هو ما جعل لامبير Lambert ، في الجزء الثاني من مؤلفه "الأورغانون" يقول إلى أن "لدينا أقل من الحروف الأبجدية بكثير مما لدينا من الأصوات" nous avons beaucoup moins de lettres que de sons (ص55).

وهكذا فإن الحادث خاطئ ، والنتيجة أكثر أيضا   : "إن الصوت لا يصدر عن أصل إلهي، و إنما عكس ذلك عن أصل حيواني" ainsi le fait est faux , et

 la conclusion plus encore : le son ne provient pas d’une origine divine ,mais tout à l’inverse ,d’une origine animale.

وعليه ، إذا أردنا أن نحدد اللغة في كونها الأصوات المباشرة للعاطفة ،فإن أصلها بالفعل طبيعي، وهي  ليست أبدا فوق إنسانية ، وإنما بالعكس تمظهر حيواني:"إنها القانون الطبيعي لآلة حاسة" c’est la loi naturelle d’une machine sentante (ص60).

"ان اللغة اذن بالنسبة لكل حيوان ،كما رأينا من قبل، تعبير خارجي عن التمثلات الحسية بقوة تصبح معها هذه التمثلات كغرائز.وبذلك تعد اللغة ،مثل الحواس والتمثلات فطرية وطبيعية بصفة مباشرة عند الحيوان.فالنحلة تطن عند البحث عن الغذاء،ويغرد العصفور عندما  يبني عشه.وأستثني من ذلك المولود الجديد لبني الانسان،ذلك أن صرخة آلته الحاسة،لا تعبر عن تمثل ولا عن غريزة بواسطة الضجيج،كما يفعل ذلك كل حيوان بطريقته،وإلا كان أبكما،فطفل الطبيعة  أدنى من الحيوانات وهو مهمل أكثر منها.En cela la langue ,comme les sens et les représentations sont innées et immédiatement naturelles pour l’animal.

L’abeille bourdonne comme elle butine ,l’oiseau chante comme il fait son nid …j’excepte, chez le nouveau né ; le cri de sa machine sentante ;puisque autrement il serait muet :il n’exprime pas de représentation ni d’instinct par des bruits ;comme cependant le fait chaque animal a sa manière ;inférieure aux animaux  il est donc l’enfant de la  nature le plus délaissé  (ص68) فهو عار ومحتاج،ضعيف ومعوز،خائف وبدون سلاح فهو عار ومحتاج،ضعيف ومعوز،خائف وبدون سلاح،وما ينتهي به الى قمة الشقاء،فهو كونه محروم من أي مرشد في حياته.

لكن بأية طريقة تمكن انسان الطبيعة من الكلام،وهو الكائن الذي يفتقر الى كل شيء تقريبا على نحو ما يذكر هردر."ان تناقضا كهذا ليس نتاج سلوك الطبيعة،وينبغي أن تكون في محل الغريزة قوى مخفية نائمة داخله ."une telle contradiction n’est la conduite de la nature ,il faudrait en place d’instinct ,des forces cachées dormant en lui.

 خــــــــاتمة:

 لقد استطاع هردر أن يثبت كيف أن أصل اللغة الطبيعية عند الانسان حيواني بامتياز،ويبقى السؤال المحير هو كيف تحولت اللغة البشرية الى نطق متمفصل بصورة مزدوجة؟وكيف حدث التحول من ما تحت اللغة الى المستوى اللغوي في الفعل التواصلي؟ وكيف تحولت العلامات المستعملة في التعبير البشري من علامات حسية الى علامات صورية ؟

يخصص هردر الجزء الثاني من الكتاب الأول لمعالجة بعض هذه المسائل السابقة الذكر،وهي جديرة بان تكون موضوعا لبحث مستقل،آمل أن أتمتع بطول العمر ،وأن أجد وقتا أخصصه لمتابعة هذا الموضوع الشيق في المستقبل القريب                          

  ملــــــــــــحق:

 "الأصل الهردري للخطاب حول تعدد الهويات والثقافات"                                                                                

تقديم

ينطلق هذا العرض من مصادرة أساسية وهي أن الخطاب الأنثروبولوجي حول تعدد الهويات والثقافات بدأ يتشكل في تاريخ الفلسفة منذ عصر الأنوار،وذلك كان على الخصوص مع الفيلسوف الآلماني يوهان غوتفريد هردر،لاثبات هذه الأطروحة كان يلزمني أن أرجع الى كتابه "التاريخ والثقافات.فلسفة أخرى للتاريخ.أفكار من أجل فلسفة تاريخ الانسانية"، Histoire et cultures .Une autre philosophie de l’histoire. Idées pour l’histoire de l’humanitéوهو المؤلف الصادر سنة 1774 والذي ترجمه الى الفرنسية ماكس روشيMax Rouché  ونشرته دار أوبيي Aubier سنة  1964ودار فلاماريون Flammarionسنة 2000 وقدم له ألان رونوAlain Renaut.

يرجع الفضل في التصور الذي صاغه هردر حول هذا الموضوع الى الفيلسوف الانجليزي دافيد هيوم الذي لاحظ واقعة الفروق بين العادات والتقاليد بين المجتمعات البشرية ،مما حدا به الى رفض الحكم على أخلاق بلد ما انطلاقا من معايير بلد آخر.وقد شكلت هذه الفكرة الأساس الفلسفي للمنظور الهردري حول حق كل ثقافة في أن تعبر عن نفسها وفي أن يعترف بها ،على قدم المساواة ،الى جانب كل الثقافات الأخرى .

لقد بقيت أعمال هردر منسية من قبل الفكر المعاصر،وهذا في حد ذاته ينبغي أن يكون موضوعا لبحث مستقل،وهذا النسيان جعل العقل الغربي لا يتوانى عن النظر الى المجتمعات والثقافات غير الغربية بمنتهى الاحتقار فكما أدى في ألمانيا بالخصوص الى كثير من الأحداث الدامية على اثر صعود النازية الى الحكم وارتكابها لما عرف بالهولوكوست فيما بعد..

   فكيف كان هردر يفهم التعدد الثقافي في وقت كان الفكر الفلسفي ينزع نحو ما يسمى بالكونية؟ما هي الأسس النظرية لفكرة المساواة بين الثقافات التي اسفرت لاحقا عن الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للشعوب؟وأخيرا بأي معنى يمكن القول أن الخطاب المعاصر حول تعدد الثقافات والهويات الثقافية يرتد الى ينابيع فكرية هردرية.                                                    12

1-  المساواة بين الثقافات

من الصعب في الحقيقة،كما أشار الى ذلك ألان رونو،ألا نقع في الخطأ على مستوى تقدير المواقف التي دافع عنها هردرالتي قدمت نفسها بوصفها ضد مفهوم التقدم الذي تبناه أولئك الذين دافعوا عن نشر الأنوار،وتطوير العالم بالسماح لأنفسهم،انطلاقا من ذلك،بأن يتبجحوا بعصرهم،"ضد قرون كاملة،ومؤاخذتها بالبربرية،بؤس الحق العام،الخرافة،الغباء وعيوب أخلاقها وانعدام الذوق"(ص10) « Déblatérer contre des siècles entiers» et à  leur « reprocher barbarie ,droit public misérable ,superstition et bêtise ,défaut dans les mœurs et manque de gout »

هذا التمشدق بعصر الأنوار،البين من خلال اسم" الأنوار" نفسه، مثلما هو جلي أيضا في التسمية التي أطلقها فلاسفة هذه الحقبة على القرون الوسطى،حينما نعتوها ب"عصر الظلمات"،دفع هردر الى اظهار،مثلا، بخصوص العصر الوسيط، ضد كل ذلك، على أن"كل مرحلة،وفي الوقت نفسها الثقافة التي تميزها، لايمكن مقارنتها بأية حقبة أخرى، ولا بأية ثقافة أخرى".

« Contre quoi Herder s’applique à faire apparaitre ;par exemple à propos du Moyen Age, que chaque époque, en même temps la culture qui la caractérise ne sauraient se comparer à une autre époque, ni à aucune autre culture »(ص ن)

وكان هردر قد أشار في "شذرات"fragments منذ 1769 الى أننا"لا نستطيع أن نتسبب في أضرار كبيرة لأمة إلا بتجريدها من شخصيتها الوطنية، ومما هو خصوصي في روحها وفي لسانها"(J .g .Herder éd Suphan I p 366)

On ne peut causer de plus grand dommage à une nation qu’en la dépouillant de son caractère national , de ce

qu’il y’a de spécifique dans son esprit et dans sa langue »

وفي سنة 1744 لم يتوقف هردر ،في كتابه "فلسفة أخرى للتاريخ"، عن الالحاح على المبدأ الميتودولوجي الذي بمقتضاه لن نعرف أبدا كيف نحكم على ثقافة ما بحسب ثقافة أخرى، وهكذا وجدت فلسفات التقدم نفسها تقيس خطأ، وضعية الحقب من منظور بعضها البعض ،مما لم يسمح بمعرفة ما للواحدة منها مما هو غير قابل للاختزال الى الأخريات ،جاعلة بذلك كل اعلان متنور عن تفوق القرن الثامن عشر عشوائيا ومصطنعا.على العكس من ذلك ،يتعلق الأمر، من أجل ادراك غنى وتنوع التمظهرات التاريخية لإنسانية بأن نعتبر مزايا النوع الانساني ثابتة ،وبأن كل حقبة من الماضي أو كل ثقافة ، تعبر عن الانسانية بطريقتها الخاصة .

لقد استمر هردر في دعم الفكرة القائلة بأن أية مرحلة ليست متفوقة، على أخرى، بصفة جذرية، وأن مساهمات الحقب الأكثر تأخرا ترجع الى ما حصلته من المراحل السابقة عنها  يجب علينا التخلي عن الرأي الذي بمقتضاه يوجد الرومان في متتالية الأزمنة ،من أجل أن يبنوا فوق اليونان ، كما لو في جدول إنساني صلة أكثر كمالا في سلسلة الحضارة"

Il nous faut renoncer à l’opinion selon laquelle dans la suite des temps les Romains auraient existé pour, comme dans un tableau humain, former au dessus des Grecs un maillon plus parfait dans la chaine de la civilisation

II  -من "الشعب" الى "العرق"

مع هردر ليس ثمة مبدأ كوني يأتي كي يتعالى على "تعدد الأرواح الجمعية "، ومن هنا ف"كل القيم الفوق-وطنية تجد ذاتها تتراجع عن سيادتها" (فينكيكلكرانت "هزيمة الفكر"باريز ،غاليمار 1986 ص 14) . هكذا ساهم التمجيد الهردري في "زحزحة القيمة الأساسية خارج الفرد المفرد لموضعتها داخل الكيانات

الثقافية،وذلك في مقابل النزعة الفردانية  كما هي عند فولتير والموسوعيين التي

تجاهلت أو وضعت في مرتبة أدنى الفرديات الجمعيةIndividualités collectives  بتصورها الانسان ك"فرد مجرد، ممثل للنوع البشري، حامل للعقل، لكن مجردا من مميزاته" .

على هذا النحو، كان تفكير هردر يسعى الى الاقناع بأن "الانسان يكون ما هو عليه ، في كل أنماط وجوده، تفكيره وسلوكه، بفضل انتمائه الى جماعة ثقافية محددة »L’homme …est ce qu’il est dans tous ses modes d’être, de penser et d’agir, en vertu de son appartenance à une communauté culturelle détérminée »(ل دومونت L Dumont "الشعب والوطن عند هردر وفيخته"in « Essai sur l’individualisme »Paris ,Seuil 1983 p 118  ،ضمن "بحث حول الفردانية" باريز سوي 1983 ص 118

وباختصار، اذا كان هردر قد أعاد النظر في الفردانية المميزة للحداثة، مثلما في كونية هذه الأخيرة ،فلصالح ما ينبغي الاشارة اليه كنوع من المذهب الاختلافي الثقافي culturel Différentialisme، مما يدفع الى الاستنتاج  بأننا مع اللحظة الهرديرية بدأت اضطرابات ،كانت نتائجها – منذ أن وجدت الجماعة الثقافية    volk الشعب ، نفسها قد تحولت الى العرق-  مرتبطة بالمآسي الأشد مرارة للقرن العشرين.ان ألمانيا لم تصبح بلد هتلر إلا بعد أن توقفت عن تظل بلد لوثر وهردر،كما قال ماكس روشي في تقديم كتاب هردر "أفكار من أجل فلسفة تاريخ الانسانية" Herder ;idées pour la philosophie de l’histoire de l’humanité, Paris ,Aubier 1962.présentation

سجل شارل طايلور أهمية الموضوعات الهردرية في تشكيل مواقفه الخاصة المقتنعة ب "تعددية النزعة الثقافية المعاصرة" Multiculturalisme contemporain،وفي هذه القراءة يبدو هردر بالفعل في مركز التيار الذي يسميه طايلور ب "التعبيري expressiviste  وهو ينتعش، من خلال 

موضوعات التعبير عن الذات ومن تنمية كل واحد لهويته ،في التقليد الرومانسي.

لذا يوجد بين هردر وروسو تقارب كما أشار طايلور الى ذلك في حديثه عن التاريخ الحديث للذاتية (شارل طايلور"ينابيع الأنا تكوين الهوية الحديثة 1989ترجمة سارش ميلانسون، باريز،سوي الجزء 11   

  خاتمة

لقد دقق هردر في مسألة المساواة بين الثقافات حينما أشار بأن كل عصر وأمة إلا ويملكان فرديتهما الخاصة ،وبالخصوص لما أكد على كون الحكم عليهما يجب أن يكون وفقا للمعايير الخاصة بهما،وفي هذا المنظور ،كل ثقافة ستكون لها أهميتها وقيمتها المستقلة على مثيلاتها من الثقافات.

ويمكن القول حسب التصنيف الطايلوري بأن النزعة التعبيرية عند هردر تتحدد بوصفها "مجموع النظريات التي ،في  نهاية القرن الثامن عشر ، تتمثل الطبيعة كينبوع داخلي" وهذا التمثل التعبيري النزعة عن الجوانية l’intériorité  سوف يستمر ليس فقط مع الكتاب الرومانسيين، وإنما أيضا مع غوته ،وبكيفية أخرى مع هيغل ،قبل أن يصبح أحد التيارات المؤسسة للثقافة الحديثة ،وهو يشمل أيضا الأشكال الأخيرة التي تعتبر "ضد الأنوار" التي يجسدها اليوم "التيار الايكولوجي واليسار المضاد للتكنولوجيا والنزعة المضادة للنفعية الراديكالية.

 كل الاعتبارات السالفة تسمح بالقول أن لفكر الاختلاف الذي ينظر لواقع الثقافة الانسانية في زمن مابعد الحداثة أصول فلسفية هردرية.

 

 مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

 

*******************

**************

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

**

                                                                                                  رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

 

 

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت