درس الفلسفة وإشكالية المنهجية 

                                                                                                     محمد الشاوي (*)                                                                                          

   

أود أن أفتتح هذه الورقة بالتأمل التالي : لماذا إشكالية المنهجية في درس الفلسفة ؟ وكيف يمكننا كمدرسي فلسفة أن نقارب هذه الإشكالية من خلال إنجازنا للمادة المدرسة مع تلامذتنا في القسم ؟ يأتي هذا الموضوع كمحاولة لمقاربة إشكالية بناء وإنجاز درس الفلسفة من حيث المنهجية وإنطلاقا من خصوصية مادة الفلسفة كفكر وتفكير ، ونمط من أنماط التفكير البشري .

هذه المادة تنطوي على تأويلات الوجود الثاوية خلف ما يعيشه التلميذ / المتمدرس  من قضايا و إشكالات ترتبط بذاته وبالعالم الذي يعيش داخله ، ووصولا إلى إنشغالات المدرس الذي يعمل بعدته الديداكتيكية قصد تنزيل درس الفلسفة من المعرفة العالمة المرتبطة بالتفكير الفلسفي إلى المعرفة المدرسية التي يتلقاها التلميذ كتعلمات و مهارات لمحطات أساسية يقف عليها عبر قضايا وإشكالات و مفاهيم تدمج بالمجزوءات الناظمة لتلك الدروس الملقنة ب ( الجذع المشترك _ الأولى بكالوريا _

الثانية بكالوريا ). لكن السؤال الإشكالي الذي يشغل صاحب هذا المقال يمكن بسطه على الشكل التالي :

__ كيف ننجز درس الفلسفة ؟

__ وما هي الطريقة أو المنهجية الواجب اتباعها لإنجازه ؟

__ وما هو المنطق الذي يمكن الإحتكام إليه للقول بأن هذا الدرس هو درس الفلسفة ، وأن 

الآخر ليس بدرس الفلسفة ؟

__ وكيف يمكننا أن نسائل منهجية إنجاز درس الفلسفة على مستوى المقاربة الديداكتيكية ؟

تلكم أهم التساؤلات التي سنعمل على تقديم إجابة ممكنة عليها ، وبعيدا عن لغة غموض العبارات وتجنبا لكل تعقيد أو تجزيء لمنهجية درس الفلسفة ، ومن خلال طرقنا باب فيلسوف هو أب الفلسفة الحديثة ، ومدرس لها لكي نسائله عن جوابه الذي قدمه ، وهو الفيلسوف الفرنسي روني ديكارت (1596-1650) وحجتنا في ذلك أن درس الفلسفة لكي يكون فلسفيا ينبغي أن يستوحي منهجيته من خطاب الفلسفة ، كما مارسها الفلاسفة أنفسهم ، ولعل هذا ما أكدت عليه المقاربات الديداكتيكية لمادة الفلسفة وإنطلاقا من القدرات المستهدفة التي جسدت لحمة التفكير الفلسفي : الأشكلة ( problématisation )  و المفهمة ( conceptualisation ) و المحاججة ( argumentation ) . لنأخذ كتاب ديكارت : " تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى " ( تثبت أن الله موجود وأن نفس الإنسان تتميزمن جسمه )(** )

الكتاب يتكون من ستة فصول وهي عبارة عن تأملات بالإضافة إلى ملخص لهذه التأملات الستة :

• التأمل الأول : في إعتبار الأشياء التي يمكن أن توضع موضع شك .

• التأمل الثاني : في طبيعة الروح الإنسانية التي نعرفها أحسن مما نعرف الجسم .

• التأمل الثالث : في أن الله موجود .

• التأمل الرابع : في الصواب و الخطأ .

• التأمل الخامس : في جوهر الأشياء المادية ثم الرجوع إلى أن الله موجود .

• التأمل السادس : في وجود الأشياء المادية وحقيقة الفرق بين الإنسان وجسمه .

يتركز على التأمل الثاني الذي سنحاول أن نقرأه ونقف عليه كدرس للفلسفة وإنطلاقا من أربعة مراحل أساسية مرتبطة فيما بينها وغير منفصلة عن جوهر الممارسة الفلسفية .

1) مرحلة تحديد الهدف والمراد من الدرس :

يحدد ديكارت في هذه المرحلة الهدف الأساسي المراد من درس التأمل الثاني الذي جاء بعد التأمل الأول الدي إرتبط بالأشياء التي يجب وضعها موضع شك ،إذ  ههنا يحدد الغرض من التأمل الثاني وهو معرفة الروح الإنسانية التي يعرفها الإنسان أكثر مما يعرف جسمه ، وهذا بالضبط هو موضوع الدرس الديكارتي ، ويمكن لأي مدرس أن يفتتح درسه إنطلاقا من تحديده لهدف درسه والمراد منه .

2) مرحلة طرح الإشكالات التي يثيرها الدرس :

بعد تحديد الهدف من الدرس الذي يرتبط بموضوعه ، نأتي إلى طرح الإشكالات والتساؤلات التي يثيرها موضوع الدرس ، وذلك عن طريق تحويل الموضوع المدروس إلى إشكالية وفي ضوء أسئلة فرعية ترتبط بها من أجل دراسة الموضوع .

• لكي نعرف روح الإنسان من جسده ومدى معرفة الإنسان لها عليه أن يعرف في البداية من هو ؟

لذا ، نجد ديكارت يتساءل :

أي شيئ أنا إذن ؟ فيجيب : شيئ مفكر ؛  ويتساءل : وما الشيئ المفكر ؟ وهنا يتساءل عن طبيعة الأنا التي تُعبر عن الروح أكثر مما تُعبر عن الجسد .

3 ) مرحلة التحليل والمحاججة :

في هذه المرحلة يهتم ديكارت بالإجابة عن التساؤلات المرتبطة بالإشكال انطلاقا من :

• تحديد المفاهيم 

• تحليل الأطروحة التي يدافع عنها من خلال 

شرحها وتفسيرها وبيان حجاجها للوصول إلى الهدف المراد من الدرس الذي سبق التطرق إليه في المرحلة الأولى .

ويمكن بيان ذلك على الشكل التالي :

• يعرف ديكارت الأنا ويبين خصائصه التي يتسم بها : ( شيئ مفكر _ شيئ يشك _ يتصور _ يثبت _ ينفي _ يريد _ يتخيل ...)

 * المفاهيم المرتبطة بالأنا :

(أ التفكير : وهو عملية عقلية جد نشيطة 

(ب الشك :وهو  شك منهجي وطريقة لبلوغ اليقين ، ويعني التوقف عن إصدار الأحكام قبل فحصها بغية التأكد من صحتها .

• العلاقة القائمة بين المفاهيم :

هي علاقة ارتباط وانسجام الأنا -> الشك -> التفكير -> الوجود أنا أشك في كل شيئ إذ لا أستطيع أن أشك في أنني أشك ، والشك نوع من التفكير ومحرك له ، فأنا أفكر وما دمت أفكر فأنا موجود ( حجة الإستدلال العقلي ) 

* آلية السؤال الإشكالي : [ أي شيئ أنا ..؟ وما الشيئ المفكر ؟...] -> التساؤل عن طبيعة الأنا وخصائصه .

* آلية السؤال الإستنكاري :[ لِمَ لا تكون ..؟ ألست أنا ...؟ فهل هناك...]

* الإستنتاج : [ من هنا بدأت أعرف أي شيئ أنا بقدر من الوضوح والتمييز يزيد عما كنت أعرف من قبل ...]

وعليه فإن ديكارت يريد إثبات ثلاث قضايا أساسية :

• القضية الأولى : الأنا ذات مفكرة له خصائص لا تنفصل عنه : * الشك * الفهم * التصور* التخيل * الإرادة ...

• القضية الثانية : الأنا هو نفسه الذي تصدر عنه جميع الأفعال السابقة رغم تغيرها فهو يظل ثابتا .

• القضية الثالثة : يُقر ديكارت ويثبت أنه موجود حتى في حالة النوم أو تلك التي يفترض أن هناك من يضلله.

4 ) مرحلة التركيب والخلاصة :

في هذه المرحلة يتم التوصل إلى النتيجة التركيبية و كجواب عن إشكالية الدرس المتعلقة بطبيعة الأنا كذات مفكرة لا يمكن فصلها عن روح الإنسان والتي قال عنها ديكارت :

ب " أننا نعرفها أكثر مما نعرف الجسد "

من خلال ما أورده من خصائص و مميزات يتميز بها الأنا ، فرغم تعددها هي وأفعال التفكير ، يظل هو ثابتا تصدر عنه مختلف الأفعال . كما أن الحواس لا سبيل للوثوق في معرفتها ، فالوعي الحقيقي يرتبط بالتفكير الذي بواسطته ندرك الروح .

وفي هذه المرحلة يمكن ربط الخلاصة المتوصل إليها باشكال آخر حتى يتم ربط السابق باللاحق ، كما فعل ديكارت حينما انتهى بتمكنه من معرفته لنفسه وما يميز روحه عن جسمه ، انتقل لكي يمهد للتأمل الثالث : " في أنَّ الله موجود " .

هكذا نصل إلى خلاصة لما سبق وأن طرحناه في هذا الموضوع وانطلاقا من قناعتنا أن هذه المراحل تبقى كمحاولة لمقاربة إشكالية المنهجية في درس الفلسفة ، هذا الدرس الذي يبقى درس مناقشة وحوار ، وفي هذا المعنى أود أن أختتم بالفيلسوف موريس ميرلوبونتي الذي أكد في إحدى محاضراته ب : "   كوليج دو فرونس " أن أفضل نوع من التعليم والتدريس الفلسفي الجاد و الهادف هو التعليم السقراطي الذي كان تعليما حياً وحراً ، لأنه عبارة عن حوار وليس كلاماً مدوناً في كتب يفقد قيمته وحيويته وقوته بمجرد تدوينه ، فضلا عن مرور الزمن عليه ، مما يجعله شيئا باليا .

________________

( *) أستاذ مادة الفلسفة  بثانوية محمد السادس بمرتيل ( الأكاديمية الجهوية طنجة _ تطوان )

(**) لقد إعتمدنا على ترجمة الدكتور كمال الحاج ، منشورات عويدات بيروت _ باريس ( 1988)

 

 

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

*******

عودة إلى صفحة الدراسات

*******

رجوع إلى صفحة الاستقبال

 

في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت