في فضيلة التفلسف

" وكنت أبغي بعد ذلك  أن أوجه النظر إلى منفعة الفلسفة و أن أبين أنه ما دامت تتناول كل ما يستطيع الذهن الإنساني أن يعرفه ، فيلزمنا أن نعتقد أنها هي وحدها تميزنا من الأقوام المتوحشين و الهمجيين، و أن حضارة الأمم  و ثقافتها إنما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها ، و لذلك فإن أجل نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هو أن يمنحه فلاسفة حقيقيين. و كنت أبغي أن أبين فوق هذا أنه بالنسبة إلى الأفراد، ليس فقط من النافع لكل إنسان أن يخالط من يفرغون لهذه الدراسة، بل إن الأفضل له قطعا أن يوجه انتباهه إليها و أن يشتغل بها، كما أن استعمال المرء عينيه لهداية خطواته و استمتاعه عن هذه الطريق بجمال اللون و الضوء أفضل بلا ريب من أن يسير مغمض العينين مسترشدا بشخص آخر...."               ديكارت

 

 

رهان تدريس الفلسفة

                                                           ذ. لحسن بنوروار

                       

 

تحية وبعد

.  يشهد العالم اليوم نقاشا غير مسبوق حول الدور الطليعي الذي يجب أن يضطلع به تدريس الفلسفة لتحقيق رهان الاقتدار. اى مفتاح ولوج المجتمع المعاصر من حيت هو مجتمع المعرفة الذي لا يلجه" الا الراسخون في العلم".  صحيح ان ايا كان يمكنه أن يوجد في هذا لمجتمع لكن نمط الوجود ليس واحدا. فكما يوجد اليوم من يؤمن بالسحر أو الغيب ...اللذان يعتبران أنماط وعي بدائي طبعا مراحل سابقة بل و سحيقة من مراحل تطور الوعي الإنساني مما يمنح معتنق هدا النوع من الوعي تواجدا جسديا في عصرنا و تواجدا ثقافيا في عصور سابقة. لعل هذا التمزق المعرفي هو الاغتراب بعينه. و كي لا يعيش متعلمونا المقبلون على خوض غمار المنافسة على الأدوار الجديدة التي يفرضها مجتمع المعرفة نمطا أو أنماطا متداخلة من هذا الاغتراب وجب أن تقوم المدرسة بدورها الكامل في تمكين هؤلاء من أسباب الاقتدار المطلوب لخوض المنافسة السالفة الذكر.


       و إذا كانت التربية و الإعداد و التأهيل... أعضاء في الجسد المدرسي فان التربية الفكرية هي بمثابة الرأس المدبر لهذا الجسد. و لعل هذه الأخيرة مهمة الفلسفة بلا نزاع.
إذا كان ذلك كذلك فلعله قد آن الأوان للتفكير في معنى التربية الفكرية و أساليب و آليات و مقتضيات أجرأتها في أرض الواقع. أي مع متعلمينا بشكل فاعل و تفاعلي.
تقتضي المقاربة الفاعلة التفاعلية، بكل أدواتها المعرفية، البيداغوجية و الديداكتيكية، بما هي انعكاس للنقاش الابستيمولوجي، المتعدد و المتداخل التخصصات التي تبدأ من علوم الطبيعة وصولا إلى الفلسفة مرورا بمختلف علوم الإنسان، الذي يشهده العالم اليوم من نزعة ملحة لتقديم رؤية شاملة للإنسان بما هو جسد- فرد- ثقافة
(bio-psycho-socio).
و بما أن الرؤية الشاملة تعد نوعا من التركيب فان ذلك ليضع الفلسفة في قلب الحدث إذ هي وحدها التي بإمكانها القيام بهذا التركيب.
يكتسب المتعلمون، يوميا، معارف و كفايات بخصوص الإنسان في مختلف المواد الدراسية غير انها تكتسب بشكل مجزأ مما يحول دون وضعها في سياق التجربة الإنسانية بكل أبعادها. مما يفرض على الفلسفة ما يفرض. إذا كان هذا هو دور تدريس الفلسفة وجب إذن مراجعة أدائنا لهذا الدور مراجعة شاملة بدءا من التصور وصولا إلى الطرائق مرورا بالمناهج... إن أول ما يجب تغييره هو التركيب الديكارتي المغلق الذي يختزل التجربة الإنسانية في أبعاد"ايجابية" مقصيا أبعادا أخرى تبدو له سلبية ربما: حيث إن الأبعاد التي ركبت فيها التجربة الإنسانية في الكتب المدرسية الحالية، التي تقدم نفسها كانجاز لعبقرية فذة، تعد نسقا مغلقا فالإنسان فيها هو الجسد و الوعي و اللاوعي و الرغبة و اللغة و المجتمع و التقنية و العلم و الشغل و التبادل و الفن و الشخص و الغير.. وكأن التجربة الإنسانية هي هذه الأبعاد فقط. في حين هناك أبعاد أخرى لن نقول إنها منسية بل نقول إنها مقصية و عن سابق إصرار و ترصد.
في مقابل هذا النسق المغلق ترتفع الدعوة إلى نوع آخر من التركيب المنفتح: او ليس الحمق والجريمة و النبوءة و المثلية الجنسية و العاطفة و الحرب و السحر و الإرهاب و الخرافة و الأسطورة و الميتافيزيقة و التصوف... تجارب إنسانية.

     هذا النوع من الانفتاح على المغاير و المخالف و العجيب و السحري و المنحرف في التجربة الإنسانية أصبح اليوم مطلبا ملحا خصوصا إذا علمنا أن الثقافة الغربية اليوم تعتبر العودة إلى الشرق و خصوصا إلى ميتافيزيقا البوذية و الزن... بمثابة العلاج الفعال لأمراض الفر دانية المفرطة التي ولدها تمركزها الديكارتي حول العقل و القضيب و الكتابة...
لعلنا اليوم لا نعاني من الأمراض ذاتها و في حاجة ماسة لرموز العقل الغربي غير أن وجداننا الميتافيزيقي يحبل بالغنى لكنه ليس الغنى الذي وصفه أطباء الحضارة اليوم للغرب أي ما تتضمنه الديانات الآسيوية الشرقية من حب للإنسانية و لكنه وجدان ميتافيزيقي إقصائي غيبي معتد بنفسه في اعتقاد صارم بامتلاك حقيقة نهائية تعطي لنفسها الحق في الوجود عن طريق إقصاء كل الحقائق الأخرى التي أنتجتها الثقافات الإنسانية الأخرى. أي ببساطة إننا نعاني من العنف و الأنانية و التعصب و عدم الإحساس بالمسؤولية تجاه ما تقتضيه مساهمتنا في الكونية على غرار مساهمة أجدادنا فيها.نحن إذن مرضى كما الغرب و لعل دواءنا يكمن في الانفتاح على مختلف التجارب الإنسانية بغض النظر عن مرارتها لأن الدواء بطبيعته مر.
إن هذا النوع من التركيب المنفتح ضرورة لا مفر منها خصوصا إذا كان من وصف الطبيب لأن مخالفة تعاليم الأطباء تؤدي إلى الموت و في أحسن الحالات إلى غرفة الإنعاش.

     نتمنى أن يكون هذا القول استفزازا معرفيا لإطلاق نقاش بناء حول واقع و آفاق تدريس الفلسفة عندنا.


و شكرا على سعة الصدر، و إلى فرصة نتمنى أن تكون اقرب إلينا من حبل الوريد...

 ذ. لحسن بنوروار

مع تحيات موقع تفلسف tafalsouf.com

 

 

 

عودة إلى صفحة الحوارات و الآراء

رجوع إلى صفحة الاستقبال